المرأة في كانيّادا ريال بين الواقع ومقاومة التحديات.

هنا قرابة 900 عائلة، يقدّر عدد سكّانها بـ 7500 نسمة، يتوزعون على ستة قطاعاتٍ ويعتبر القطاعين الخامس والسادس القريبين من Valdemingómez الأشدُّ فقراً

أيهم الغريبمحمد شباط

ما من شيءٍ يمنع النساء أنْ يكنَ مؤثراتٍ في المجتمع، وصوتاً وصدىً للمكان الذي يعشنَ فيه، أو المكان الذي قدمنَ إليه منذ سنوات، وحتّى ولو كان هذا المكان تقلّ فيه الخدمات، ويخيّم الظلام فيه مُبكراً. هنا في أكبر مستوطنةٍ غير شرعيةٍ في أوروبا، اسمها كانيّادا ريال‘‘ تقع في العاصمة الإسبانية مدريد. على  امتداد طريقٍ يبلغ طوله 16 كيلو متراً، مع منازل وأكواخٍ غير قانونية، على كلا الجانبين.

هنا قرابة 900 عائلة، يقدّر عدد سكّانها بـ 7500 نسمة، يتوزعون  على ستة قطاعاتٍ ويعتبر القطاعين الخامس والسادس القريبين من Valdemingómez الأشدُّ فقراً، تبلغ نسبة العرب من الجنسية المغاربية في القطاع الخامس 80 % من مجموع السكّان، ويوجد فيه غجر ورومان بنسبٍ أقلّ، وأمّا في القطاع السادس فتبلغ نسبة العرب 40 % من السكّان.

يعاني هذان القطاعان بالذات منذ أشهر من مشكلة انقطاع التيار الكهربائي، الذي عاد منذ أيام قليلة إلى الخامس فقط، بينما بقي السادس على حاله إلى اليوم، وكانت أرجعت السلطات المحلية فصل الكهرباء عن المنطقة نتيجة الأحمال الزائدة على الشبكة, بسبب الاستهلاك المُفرط في مزارع الماريجوانا، وقد سبّب هذا معاناةً كبيرةً للسكّان، خاصّةً قي فصل الشتاء، أمّا طلاب المدارس فهم يواجهون العديد من المشاكل، إضافةً إبى غياب الماء الساخن للاستحمام، وصعوبة في غسل الملابس، هم لا يتمكنون في الدراسة ليلاً، بسبب عدم وجود الضوء، فضلاً عن بعد المدرارس عن منازلهم، ويترتب على ذلك ضغط كبير على الأهالي بشكلٍ عامٍّ،. من وسط هذه الأوضاع الصعبة يظهر صوت المرأة قوياً في المطالبة بحقوق العيش الأساسية.

صوتُ المرأة في كانيّادا أقوى من صوت المعاناة

 في أحد تقاريرها السنوية أوضحت منظمة الصليب الأحمر بأنّه عند التفكير في كانيّادا Cañada Real يتبادر إلى الذهن على الفور المخدرات أو الأحياء الفقيرة،كانيّادا أكثر من ذلك بكثير، إنه مكان يستيقظ فيه الكثير منهم كل صباح للذهاب إلى وظائفهم وكسب راتب لإطعام أطفالهم وتعليمهم.  إنه مكان يلعب فيه الصغار ويمرحون ، ويتنزه فيه كبار السن.  إنها حياتك ، إنها حيك. 

“كانيّادا ريال ليست فقط  مكاناً للمخدّرات و الأشخاص السلبيين، نحن نعمل حتّى التعب، لإيصال صوتنا، وإظهار فنّ وأصالة وثقافة هذا المجتمع، ولا نقبل بأنْ تكون الصورة المأخوذة عن هذا المكان بأنّه مكانّ عشوائيٌّ. وجود أشخاصٍ غير جيدين في مكان لا يعني بالضرورة أنّ جميع الموجودين غير صالحين,” . هذه الكلمات هي ل “رحمة‘‘  امرأة مغاربية، تعيش في إسبانيا منذ قرابة 17 عاماً، تسكن في القطاع الخامس من كانيّادا منذ العام 2006. 

 أسستْ رحمة وصديقاتها جميعةً خاصّةً بالنساء، أسموها ’’نساءٌ عربيّاتٌ مناضلاتٌ, Asociación Mujeres Árabes Luchadores‘‘ واختصروا حروفها الأولى بالإسبانية لتكون (AMAL) ،أمل هذا هو جميع ما يسعون إليه بثّ الأمل وسط ركام هذا المكان المليء بالتعب والفقر. جاءت الفكرة في العام 2014 بعد سنوات من عمل هؤلاء النساء بشكلٍ تطوعي، مع العديد من المنظمات العاملة في القطاع الخامس، كالصليب الأحمر وغيره ليؤسسنَ واحدة من أولى الجمعيات النسويّة في كانيّادا.

الصورة لأحد شوارع كانيدا ريال، تُظهر مجموعة من نساء الحي .
© محمد شباط.

تعمل رحمة برفقة مجموعة من النساء على عكس صورةٍ مختلفةٍ لهذا المكان, تقول: أعطتنا الصعوبات التي نواجهها هنا، قوّةً إضافيةً للمتابعة، نحاول كنساء أن نكون صوتاً لهذا المكان، نعكس ثقافتنا وتراثنا، والتعايش الموجود فيما بيننا. هناك علاقات اجتماعية جيدة بين جميع الجنسيات، وخاصّةً بيننا وبين جيراننا الغجر بشكلٍ خاصّ، وهم يسمّوننا بـأولاد العم  ، أقمنا العديد من الأنشطة الثقافية معاً، والآن نتجاوز الصعوبات معاً. نحن متلاحمون فيما بيننا.

,,يرتكز عمل الجمعية النسوية على تمكين المرأة في المجتمع، حيث يُقمنَ دوراتٍ تدريبيّة مهنية، وكذلك وتعليم اللغة العربية لمن لا يعرفها، وكذلك الموسيقا والرياضة، حيث نفذنا جلسات يوغا للنساء للخروج من ضغوط الحياة، إضافةً إلى مساعدة الطلاب في أداء واجباتهم المدرسية، كلّ هذا بدون أيّ دخلٍ مادّيٍّ, يعتمدون فقط على تبرعات أعضاء الجمعية، والبالغ عددهم 30 امرأة من جنسيات عربية، ومن جنسيات أخرى’وفق ما تحدثت بهرحمة رئيسة الجمعية.

مساكن عشوائية، ولكن!

أما البنى التحتية في القطّاعين الخامس والسادس من كانيّدا ريال، فهي مساكن غير قانونية، وتعاني من مشاكل عديدة، حيث تفتقر إلى الخدمات العامة، والمنازل مصنوعة من مواد غير مناسبة تتسبب بحدوث تسربات ورطوبة داخلها، إضافةً إلى وجود مكب للنفايات بالقرب من القطاعين يجعل الظروف الصحية العامة غير مناسبة للعيش.

زهرة  وهي امرأة إسبانية من أصول  مغاربية تعيش برفقة عائلتها في القطاع السادس منذ أكثر من 25 عاماً  تقول : يخبروننا بأنّنا  نعيش في مساكن عشوائية، لقد أعطونا سند الإقامة، والبطاقة الصحية والحافلات التي تأخذ الأطفال إلى المدارس، لماذا أصبحنا بعد ذلك لا نستطيع العيش هنا، إذن لماذا سمحوا  لنا ببناء المنازل والاستقرار كلّ هذه السنوات!

الصورة شخصية لمجموعة من نساء كانيدا ريال في مظاهرة وسط مدريد في كانون الأول من عام 2020.
©خاصة

 تُضيف زهرة,وهي تقف بالقرب من منزلها، لقد بنى زوجي منزلنا هنا في هذا المكان بيديه وساعده الجيران، لم يكن هناك سوى بعض البيوت ومساحات واسعة من الأرض المزروعة بالقمح.

 تُشير زهرة التي تجاوزت الأربعين من العمر، والجدة لستة أطفال: هنا الكثير من الناس أعرفهم مُذ كانوا صغاراً، كبروا وتزوجوا وأنجبوا أطفالاً، كلّهم طيبون، نتعاون فيما بيننا دائماً، والعلاقات فيما بيننا طيبة على الرغم من اختلاف الأعراق والأديان.

أصوات غير مسموعة 

خرج في كانون الأول 2020 قرابة 200 شخص – معظمهم من النساء – وسط مدريد أمام وزارة الإسكان والإدارة المحليّة، وذلك احتجاجاً على انقطاع ونقص التيار الكهربائي، التي يعاني منها سكّان كانيّادا, منادين بشعارات بدون ضوء لا يوجد حياة، نريد أن ندفع فواتير، نريد كهرباء نظامية!، نحن بُناة،ولسنا مجرمون!

تذكر رحمة رئيسة الجمعية النسوية في القطاع الخامس حول هذه التظاهرة : هناك العديد من النساء كنَ يرغبن في الحضور  وإيصال صوتهن على أمل أن يجيبهم أحدهم ، ولكن بلا فائدة حتّى الآن!

الوضع العام في كانيّاد ريال في هذه الأيام سيء جداً، للصغار والكبار وللرجال والنساء، لا أحد بينهم يعرف ماذا يحدث، ولا ما سيحدث، ولا لماذا يحدث هذا الآن، لا أحد يجد الإجابة على هذا الأسئلة،  تقول رحمة حتى اللحظة  لم نحصل سوى على كلمات مزعجة من قبل رئيسة مجتمع مدريد Isabel Díaz Ayuso، والتي اتهمتنا بأنّنا مجرمون، شاملةً الجميع. 

تعتقد رحمة بأنه مع انقطاع الكهرباء وعدم وجود أي إجابة عن ذلك، بأن هناك مصالح وراء ذلك، كانيّدا أرض تساوي الكثير من الملايين كما أنها قريبة من العاصمة مدريد، منطقة جميلة جداً ومن الممكن أن الشركات الكبيرة ان تستغل هذه المساحات الشاسعة في مشاريعهم الكبرى، على ما اعتقد لن يكون حل هنا في هذه المنطقة، بل الجميع يحاول أن يُبقي كانيّادا بهذه الوضع السيء حتى يمل سكانها من هذه الحالة ثم  يغادروها .

من جانبها هدى أكريكريث امرأة ناشطة في كانّيدا ريال تعيش في القطاع السادس، ورئيسة جمعية تبادل،  تُؤكد استمرار انقطاع التيار الكهربائي منذ ستة أشهر في هذا القطاع بالذات، تقول: “إنّه لأمرٌ مُروّع، من المشين أن نسمع أنّه في العاصمة الإسبانية، يوجد سُكّان من أعراق وجنسيات ومعتقدات مختلفة، بدون كهرباء في مثل هذه الأيام التي نشهدها في ظل وباء كوفيد-19، أكثر من 4000 إنسان، يعيشون بدون التيار الكهربائي، بينهم 1800 قاصر”.

محاولات للتكيّف مع الواقع الصعب

تحاول نساء كانيّادا ريال أن تتكيف مع الظروف غير الاعتيادية، خاصّةً أولئك الذين لديهن أطفال، حيث يترتب عليهن العديد من المسؤوليات الإضافية، التي تزيد من قوّتهنَ للمواجهة، ويزيد من عزيمتهن. إكرام  الّتي عاشت طفولتها بين المغرب البلد الذي ولدت فيه، ومدريد المدينة التي كبرت وتعلمت فيها, تسكن مع أطفالها الثلاث في القطاع الخامس من كانيّادا، وتعمل حالياً ضمن مختبر خاص بتحاليل الكوفيد 19 في العاصمة مدريد، وهي تسعى جاهدةً للتعايش هي وأطفالها مع الوضع الجديد والبحث عن حلول جديدة.  

تقول: من الطبيعي  جدّاً أن يعيش الأطفال في مكان يؤمّن لهم سبل الراحة والآمان ومساحة اللعب الخاصة بهم, وأحاول قدر المستطاع أنْ أبرر لأطفالي ما يحصل، من خلال توجيههم للناحية الإيجابية، فعدم وجود التلفاز في ظل انقطاع الكهرباء، يساعدهم في قضاء وقت أكثر فائدة، بدلاً من قضاء وقت طويل أمام التلفاز، وأمّا واجبات الأطفال المنزلية فأحاول أن أساعدهم على إنهائها قبل مغيب الشمس، واذهب بالثياب عند اتساخها إلى المحال المجاورة الخاصّة بتنظيف الثياب، حتى يتمكن الأطفال من الذهاب الى المدرسة بصورة جيدة ومرتبة.

توضح إكرام لم أتصور في يوم من الأيام أنّ أعيش أنا وعائلتي في ظل مثل هذه الظروف, ولكن في نفس الوقت  يجب علينا أن نعتاد على ذلك، ونبحث عن الحلول والأشياء  الإيجابية التي تساعدنا في تخطي هذه المرحلة، ولا ننتظر أن تأتي الحلول من السماء.

أمّا هدى أكريكريث فتؤكد: “ستة أشهر من دون التيار الكهربائي، ستة أشهر من النضال والمقاومة، ومحاولة إقامة علاقات بين المجتمعات، نحن راضون عن ذلك، لأنّنا حققنا شيئاً من خلال كفاحنا الحرّ، جعلنا قضية كانيدا ريال تتكرر يومياً على الشبكات الاجتماعية على التلفزيون في الصحافة على الراديو، لقد أصبحنا مسموعين ونُقدّر دوليّاً، نحتاج إلى مزيد من المقاومة للحصول على أحد حقوق الإنسان الأساسية.

هكذا تعيش النساء في القطاعين الخامس والسادس من أكبر مستوطنة غير قانونية في أوربا (كانيّادا ريال)، يحاولنَ أن يتجاوزنَ كل التحديات والصعاب، ويتعاملنَ مع هذا الوضع غير الطبيعي ويسعينَ للتغيير والتأثير على مستوى أسرهن والمجتمع الذي يعشن فيه،لعكس صورة أفضل عن واقع المرأة ويدافعنَ عن حقوقهنَ رغم كل الظروف الّتي تحاصرهنَ.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى