القصة العربية للمائدة الإسبانية!!

الفترة التي مكث العرب بها في إسبانيا أدت الى تأثر المطبخ الإسباني بالمطبخ العربي ونتج عنها العديد من الأطباق المشتركة مثل طبق الباييا

Rajaai Bourhan

كانت قد درجت العادة عند الجنرال فرانكو خلال فترة حكمه (1939-1975) أن يتنزه في مدريد مساء كل خميس، وأن يختار وبشكل عشوائي مطعماً يتناول فيه الپاييا (paella) طبقه المفضل. تجنباً للوقوع في المشاكل ورغبة في إرضاء الجنرال، قامت جميع المطاعم في مدريد في إنزال هذا الطبق القادم من بلنسية على قائمة أطباقها كل يوم خميس، العادة التي مازالت مستمرة حتى اليوم. لم يكن ليخطر على ذهن الجنرال حينها، أن عادته هذه كانت ستؤدي إلى انتشار أحد منتجات الثقافة العربية على كامل الأراضي الإسبانية، بعدما كانت الپاييا محصورة في بلنسية.

الشيف المغربي أحمد كبير طباخي مطعم المنية أقدم مطعم عربي في مدريد.
©محمد شباط

الأرز … هدية العرب لأوروبا

(يعتبر الأرز من أعظم الهدايا التي قدمها العرب للمطبخ الإسباني. أدخل العرب والمسلمون الأرز إلى إسبانيا في القرن التاسع الميلادي، وبدأوا بزراعته منذ ذلك الوقت. كما قاموا بتطوير السواقي وأقنية المياه لتناسب المحصول الجديد، ولما طرد الإسبان المسلمين من الأندلس حاولوا استغلال زراعة الأرز وفشلوا لعشرات السنين) وفقاً للدكتور صلاح جمال مؤلف كتاب النكهة العربية Aroma Arabe, recetas y relato في حديثه مع موقع بيننا.

يمكن القول إن إضافة اللحوم بأنواعها إلى الأرز المصبوغ بالزعفران ليس إلا طريقة آسيوية في إعداد الطعام، ونجد من هذه الأطباق البرياني في الهند وباليف في فارس والمندي والكبسة عند العرب، وليس الپاييا إلا امتداد لهذه الأطباق الشرقية.
كان الأندلسيون يتناولون أطباق الأرز خلال الاحتفالات الدينية مثل عيدي الفطر والأضحى، ويضيفون إليها المأكولات البحرية والبهارات. لاحقاً عندما أصبح الأرز هو الطبق اليومي، بدأ الناس ينوعون في مكونات أطباقه، مزجوه مع الخضروات والبقول والأسماك المقددة. أما على طول السواحل الإسبانية كان الناس دائماً يتناولون الأرز مع السمك. ومع مرور الوقت أصبح الأرز جزءاً أساسياً على الفطور في رمضان، وهكذا نشأت الپاييا.

اختُلِف في أصل تسمية الپاييا، منهم من تحدث عن أصل الكلمة العربي (بقايا). يُوضح الشيف أحمد كبير طباخي مطعم المنية أقدم مطعم عربي في مدريد:

الباييا، هي من البقايا، أي كان أهل الدار يجمعون بقايا اللحوم، لحم الخروف مثلا او لحم الأرنب أو الدجاج، ثم يطبخون هذه البقايا مع الأرز، ولم يكن الأمر محصوراً بالسمك والفواكه البحرية). يتابع (نحن في المغرب نطبخ الپاييا، ونطلق عليها ذلك الاسم اعتقاداً منا بجذره العربي.

آخرون رأوا أن أصل الكلمة من اللغة البلنسية، والذي يعني مقلاة الطعام. ولكن مهما اختُلف في التسمية، فإن جميع المؤرخين قد أجمعوا على الأصل العربي لهذا الطبق الذي أصبح الطبق الوطني في إسبانيا.

ليس الپاييا هو الطبق الوحيد ذا الأصل العربي في المطبخ الإسباني، فنجد مثلاً الفيديوا (Fideuá) المشهورة بمنطقة فالنسيا الشرقية، حيث تطبخ الإطرية (aletría أو Fideuá) مع السمك والمأكولات البحرية. والكباب الذي يسمى Pincho moruno، أي سيخ عربي، هو من أشهى الأطباق. والبنادق (albóndigas) وهي عبارة عن كرات من اللحم المفروم يخلط بالبيض والتوابل، ويطلقون عليها إسم البندقة.

الحلويات العربية تزين حفلات أعياد الميلاد في إسبانيا

لم يكن فرانكو الحاكم الإسباني الوحيد الذي روّج للطعام العربي في إسبانيا، بل سبقه في ذلك الملك فيليب الثاني الذي أعجب أشد العجب بالتورّون (turrón) وهي النسخة الإسبانية للنوغا العربية، والتي أمر أن تكون جزءاً من قائمة الحلويات على مائدته. وقد راجت التورّون في عهده إلى درجة أصدر فيها قانوناً يحدد لكل عائلة كمية محددة بسبب فرط الإقبال على شرائها. وهي الآن جزء من تقاليد الاحتفال بالأعياد حيث تزين موائد الإسبان خلال فترة الميلاد ورأس السنة.

اعترف الموقع الرسمي للبلدة التي أعطت التورّرون صبغته الإسبانية بالأصل العربي لها. يحدد معظم العلماء أصل التورّرون في شبه الجزيرة العربية، وتستند هذه النظرية إلى كتاب “De Medicinis et cibis semplicibus” (الأدوية البسيطة والطبخ ) من القرن الحادي عشر، لكاتب عربي مجهول. جلب العرب هذه الحلوى إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط ​​، ولا سيما إلى إسبانيا وصقلية.

وُلدت النسخة الإسبانية من التورّرون في مقاطعة أليكانتي حوالي القرن الخامس عشر، وفي زمن كارلوس الخامس، تم تقديم التورّرون في البلاط باعتبارها حلوى تليق بالملوك.

النوغا والتورّون

ومن الحلويات الإسبانية الأخرى والتي تحمل أصولاً عربية نجد مثلاً الأرز بالحليب و المرزبان (mazapán) الذي يصنع من اللوز والسكر وأطيبه من توليدو (طليطلة)؛ والمجبّنة (almojábana) فطائر الجبن والعسل وهي مشهورة خاصة من منطقة مورسيا و أليكانتي الجنوبية الشرقية. وما يسمى الفاخر (alfajor)، وهي حلوى قوامها المكسرات والعسل في منطقة الأندلس الجنوبية، والبانيليت (Panellet) بالسكر والبيض واللوز والصنوبر في أراغون وكاتالونيا وهي موجودة أيضاً في شمال إفريقيا اليوم.

حلوى التورون من أحد المحال التجارية في مدريد .
©محمد شباط

كما يعتبر السكر (azúcar) من أبرز هدايا العرب للجزيرة الأيبيرية، حيث لم يكن موجوداً من قبل، والسبب أن الرومان المتأخرين اعتبروه من الملذات المحرمة.

بعد دخول العرب لفارس بدأوا بتطوير زراعة وصناعة السكر، وخاصة في مصر. وبالرغم من دخول العرب إلى إسبانيا سنة 711ميلادي، فإنهم لم يدخلوا زراعة قصب السكر حتى أيام عبد الرحمن الأول في عام 755، حيث أرسل بعثة إلى شرق المتوسط لإحضاره.

اللغة الإسبانية تتبنى مفردات الطعام العربية


فرض سحر الشرق وغناه نفسه على الغرب الذي عانى من الفقر وبساطة الملبس والعيش طيلة فترة العصور الوسطى. كان لوجود العرب على الأراضي الإسبانية، والذي امتد حوالي ثمانية قرون حتى الطرد عام 1609، تأثير بالغ على الثقافة والذوق في شبه الجزيرة الأيبيرية. وورث الإسبان الكثير من العادات والتقاليد والمفردات العربية، وكان مما ورثوه المطبخ العربي.

ويتضح دور العرب في تشكيل ثقافة الطعام الإسبانية من خلال استعارة اللغة القشتالية للكثير من مفردات الطعام العربية مثل :البرقوق (albaricoque) والنارنج أو البرتقال (naranja) والليمون (Limón). وأغذية أخرى كالباذنجان (berenjena) والسبانخ (espinacas) والرز (arroz) والزيت (aceite) والسكر (azúcar) وتوابل كالحَبَقة (albahaca) والزعفران (azafrán). إلى جانب بعض أدوات الطبخ كالمهراس (almirez) والطاسة (taza) وأطباق كالكسكس (alcuzcuz) والإطرية (aletría) والرُّب (arrope) والشراب (jarabe) وفطائر المجبنة (almojábana) والبنادق (اللحمة المفرومة) (albóndigas).

الأثر العربي في طريقة تحضير وحفظ الطعام

ولم يتبنى الإسبان فقط بعض الأطباق العربية، بل تبنوا أيضاً طرق تحضير الطعام وحفظه، وأحد أهم تقنيات إعداد الطعام وحفظه التي قدمها العرب للمطبخ الإسباني هي (escabeche)، وهي مأخوذة من الكلمة العربية السكباج ذات الجذر الفارسي.

والسكباج (escabeche) هي طريقة لحفظ الطعام تقوم على قلي أو سلق اللحم او الخضروات، ثم نقعها بالخل والزيت وبعض التوابل والأعشاب. انتشرت هذه الطريقة في اسبانيا، ونشرتها فيما بعد الأساطيل الإسبانية في المستعمرات في العالم الجديد والفلبين. وتطورت الكثير من الأطباق التي تقوم بشكل أساسي على اللحم المنقوع بالخل والتي تدعى ب (escabeche) أي الطعام الحامض.

الموريسكيين ينشرون الطعام الأندلسي والإسباني في العالم الإسلامي

صدر في عام1609مرسوم طرد بقايا الأندلسيين من إسبانيا، وأخلى عشرات الآلاف دورهم ومزارعهم وحوانيتهم واتجهوا نحو المغرب الكبير، وتوزعوا في مدنه وأريافه. يطلق على هؤلاء الأندلسيين المطرودين اسم الموريسكيين، وهم أحفاد الأندلسيين ولكنهم كانوا قد تركوا الإسلام ونسوا اللغة العربية إلا بعض خاصتهم. وأطلق عليهم المسلمون حينما جاؤوا إليهم بعد الطرد لقب نصارى قشتالة.
جاء الموريسكيون من إسبانيا بعاداتهم وتقاليدهم ومطبخهم أيضاً. كان مما جاؤوا به من أطباق بعضه أندلسي وبعضه إسباني الأصل. يقول الشيف أحمد كبير طباخي مطعم المنية أقدم المطاعم العربية في مدريد في حديث لـ بيننا (كان لوصول الموريسكيين بعد الطرد عام 1609تأثيراً كبيراً على المطبخ المغربي، حيث أحضروا معهم أطباقهم وذوقهم في الطعام)، ويتابع فيقول (من الأطباق الموريسكية التي دخلت المطبخ المغربي كان الپاستيلا -بسطيلة- پاستيلا بالدجاج، أو بالسمك وفيها فواكه البحر. كما أدخلوا استخدام البرقوق في المطبخ المغربي، حيث يطبخ المغاربة اللحم بالبرقوق أو الفاكهة المجففة بشكل عام).

وللأندلسيين الذين نزلوا تونس اعتزاز كبير بانتمائهم وبحضارتهم وينعكس ذلك في محافظتهم على عاداتهم وتقاليدهم وعلى الأطباق التي اعتادوا طبخها من وكيسالس واللحم بالبرقوق والبناضج الطبق ذو الأصل الإسباني (Empanadas في الإسبانية) وهي عجين من السميد محشو باللحم و مطبوخ في الفرن، يُقال إن الموريسكيين عند هجرتهم من إسبانيا أخفوا الذهب فيه.

شكلت الفتوحات العربية ما يسمى بفترة السلم العربي، وهي فترة ازدهرت فيها الحضارة وشكل العرب فيها نقطة وصل بين الشرق الأقصى والغرب. كان لهذا التلاقي بين الحضارات الأثر الأكبر على إسبانيا وحضارتها وثقافتها. ومازلنا نجد حتى اليوم الكثير من عناصر الشرق في تفاصيل حياة الإسبان اليومية ومنها طعامهم المفضل مثل الپاييا الطبق الوطني، والتورّون حلوى الأعياد.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى