التغيير من الشارع… تجارب الربيعين العربي والإسباني.

مقارنة بين التغيير السياسي في العالم العربي وإسبانيا

Rajaai Bourhan

دور النظام الدولي في فشل أو نجاح الثورة.. عندما حاربت أوروبا الثورات في إسبانيا 

للنظام العالمي دور كبير في تحول الديمقراطي داخل أي بلد. وكان للتغير في بعض الدول العربية تداعيات على كثير من دول المنطقة والمرتبطة بشبكة مصالح دولية. هذا التغيير أدى إلى ردة فعل من الأنظمة القائمة خوفاً من وصول الثورات إليها وبدأت مرحلة جديدة يطلق عليها الثورة المضادة.

 إن التغيير هو عملية تراكمية ولا يمكن إنجازه خلال أسبوعين من المظاهرات عبر الشارع لقوى غير منظمة. إنّ أنظمة الحكم هي عبارة عن مجموعة مصالح مشتركة مرتبطة بالنظام الدولي، وليست جزر معزولة، إن تغيير النظام في أي بلد يعني التغيير في البلاد الأخرى، حيث يمكن أن يطلق مجموعة تفاعلات يمكن أن تمتد إلى باقي الدول، وعليه سيقاوم النظام العالمي أي تغيير حقيقي في أي بلد حتى لا تنهار سلسلة الدومينو) يقول عمار فرهود معلقاً على الدور المحوري للمجتمع الدولي في إحداث التغيير المطلوب او افشاله في أي بلد. 

وترى إتشاسو دومينغيز أن (مجال المناورة في تغيير أي نظام حكم في الشرق الأوسط هو مجال ضيق جداً، بسبب الحضور القوي في المنطقة) وتجد أن الواقع هو نفسه في أوروبا فإنها ترى ( أن مجال إحداث أي تغيير في أوروبا لن يكون أكبر من الشرق الأوسط، ولكن على الأقل توجد انتخابات.

بشكل عام نجد أن أي نظام حكم داخل أوروبا يتماهى مع بقية الأنظمة، وأن الدول الأوروبية تسعى لدعم وحماية الأنظمة التي على شاكلتها. فمثلاً نسقت الملكيات القديمة فيما بينها للقضاء على الحركات التحررية مثل ما حدث في فرنسا أيام الثورة أو في إسبانيا عندما تم فرض دستور قادش على الملك. وعندما توفي فرانكو كان من الطبيعي للملك خوان كارلوس أن يدعم الانتقال الديمقراطي في بلاده حتى يلاقي الدعم الخارجي (من الدول الغربية) للحكومة التي لن تستطيع الاستمرار دون دعم أوروبي تحت ضغط الشعب الذي يطالب بالحريات. 

هكذا نجد بالعموم أن أي نظام في أوروبا يعكس صورة بقية الأنظمة، وأي تغيير في أي نظام سياسي يحتاج إلى بيئة أوروبية تساعده. 

ومن السهل ملاحظة أنه يوجد توافق أوروبي على الحفاظ على الأنظمة القائمة ضد أي تغيير يفرض من الشارع وذلك من خلال صدور قوانين تحد من حرية الاحتجاج والتعبير في عدة بلدان اوروبية مثل قانون ley mordaza وقانون الأمن الجديد في فرنسا، واعتقال المتظاهرين بموجب قوانين غامضة حسب منظمة العفو الدولية، وصدور قانون الانترنت الجديد عام ٢٠١٩ الذي يحد من الوصول الحر الى المعلومة كما يحد من حرية التعبير، واستغلال الحكومات انتشار فيروس كورونا للحد من قدرة المتظاهرين على الانتشار حسب كارنيغي. 

وهكذا نجد أنه يوجد توجه اوروبي عام من قبل الحكومات للتضييق بشكل أكبر على الاحتجاجات وعلى المتظاهرين في المستقبل أن يضعوا في ذهنهم أن في صدام ليس فقط مع حكوماتهم ولكن مع مجموع حكومات في أوروبا تسعى بشكل جماعي لفرض قيود أكبر على الشارع.

دور توازن القوى داخل الدولة في نجاح الحراكات

لعبت القوة الطاغية للدولة في الوطن العربي دوراً في قمع الحراكات الشعبية، ومنع قيام أي نظام يقوم على قبول الشارع. فبعد عشر سنوات نجد أن كثيراً من البلدان استخدمت القوة المفرطة وصلت حتى استخدام الكيماوي، كما نجد أنه حتى الدول التي سقط فيها الديكتاتور مثل مصر، عاد النظام القديم وحكم بقوة من جديد. 

فإذا نظرنا للوضع في إسبانيا مثلاً عند بداية التحول الديمقراطي في السبعينات، نجد أن ضعف الدولة مقارنة مع ما كانت عليه أيام فرانكو ساعد كثيراً في هذا التحول. فمثلاً كتب المحامي والصحفي نيكولا سارتوريوس والذي عاصر تلك الفترة ولعب دوراً في تشكيل النقابات حينها واصفاً دور توازن القوة بين المجتمع والدولة في التحول الديمقراطي: ( نحن المعارضة لم نكن نمتلك الوسائل والقدرة على قلب ذلك النظام كما أن النظام لم يكن يملك ما يكفيه من القوة للاستمرار في السلطة، كان يوجد توازن قوة أو توازن ما بين الضعفاء). هذا احد الأسباب التي تفسر نجاح الانتقال الديمقراطي في نهاية السبعينيات في اسبانيا بينما فشل في كثير من المراحل السابقة. 

أما فيما يخص واقع إسبانيا الحالي من حيث التوازن بين المجتمع الأهلي والدولة ترى إتشاسو دومينغيز أن (الحكومات في اسبانيا ولأسباب تتحاور مع منظمات المجتمع المدني لأسباب استراتيجية، وتأخذ مطالبها بالحسبان). هذا التوازن ما بين قوة الدولة وقوة المجتمع المدني هو ما يصنع الديمقراطية. 

تحربة عام 2011 في الميزان 

عشر سنوات مرت على تدخل الشارع في السياسة سواء في العالم العربي أو في إسبانيا، واختُلفَ في تقييم هذه التجربة، وإذا ما كان يمكن اعتمادها في صناعة أي تغيير مستقبلي

(السؤال بحدّ ذاته خطأ، لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا، هل يمكن للحراك الشعبي أن يغير نظام الحكم نحو الأحسن؟ الأمر يعتمد على عوامل كثيرة آخرها الحراك نفسه ، لا أعرف بالنسبة إلى إسبانيا ولكن بالنسبة لنا نحن العرب، الحراك أطلق التناقضات في المجتمعات، وما زال الجواب على هذا السؤال مبهم) يقول مدير مركز نورس، في تعليقه على التجربة العربية.

 وتُوضح ليلى نشواتي: (لا يمكن الحديث عن نموذج فاشل او ناجح بشكل عام. الموضوع نسبي ولا يمكن تقييم نجاح او فشل تجربة ما، سواء في الوطن العربي أو في غيره، نحن نتكلم عن عملية معقدة وتحتاج الى تراكم، ولا يمكن الإجابة عنها بنعم أو لا) وتضيف: (عندما يتحول الحراك المدني إلى حزب سياسي يقع في فخ السلطة، نحن تأملنا أن حزب جديد مثل بوديموس في السياسة الإسبانية سيغير كل شيء، ولكل الذي رأيناه أن السياسة غيرت بوديموس وغيرت كل ما كنا نتأمله وحصل انقسام داخل الحزب، كما انفصل عن الحراك المدني).

بينما كان لإتشاسو رأياً قاطعاً بفشل الحراك في تحقيق أهدافه خلال هذه المرحلة، مع بقاء الأمل بتحقيق الأهداف تدريجياً في المستقبل : (حزب بوديموس أصبح الآن في السلطة، البعض قد يقول، نعم، الاحتجاجات حققت بعض النجاح. ولكن برأيي المتواضع، المطالب الرئيسية للاحتجاجات لم تتحقق بعد.) تتابع إتشاسو دومينغيز : (الفساد لم ينتهِ ولا يوجد تمثيل شعبي أكثر في السلطة، ولا ديمقراطية مباشرة ولا مساواة طبقية، ولكن البذور مازالت موجودة. فيما المشكلة كيف يمكن للجيل الجديد أن ينظموا أنفسهم. هل سوف يعتمدون على الطريقة التقليدية في الاحتجاج أم سيُوجِدُونَ طريقة أخرى للضغط على الحكومات؟).

زر الذهاب إلى الأعلى