تقاريرقراءة سهلةمجتمع

كيف يمرّ رمضان الثاني في ظل كوفيد-19 على المسلمين في إسبانيا؟

بدأ أكثر من مليوني مسلم يوم الثلاثاء 13 أبريل بصيام شهر رمضان المبارك، ويستمر ما بين 29 - 30 يوماً. يأتي للسنة الثانية على التوالي مع استمرار تفشي وباء كوفيد -19، والذي أوصت اللجنة الإسلامية في إسبانيا بالالتزام خلاله بالاجراءات الاحتياطية والصحية المعمول بها في البلاد.

أطَلّ هلال شهر رمضان أحد أعظم شهور التقويم القمري، مُعلناً بدء أيام الصوم، ليس فقط عن الطعام والشراب من شروق الفجر حتى غروب الشمس، بل هو يحمل العديد من المعاني والقيم الروحانية والعادات والتقاليد الاجتماعية، التي يعيشها المسلمون خلال  هذا الشهر.  هنا في إسبانيا يحاول المهاجرون من المسلمين أن يجلبوا تلك الأجواء والعادات، الّتي كانوا يعيشونها في بلدانهم، في وقتٍ يبدو فيه أنّ فيروس كورونا قد كسب جولةً أخرى، وقد عاد رمضان للعام الثاني، وما زال الضيف الثقيلُ حاضراً.

فاطمة بوقابوس امرأة جزائرية  في الأربعين من عمرها، تعيش في إسبانيا منذ 17 عاماً، هي تحرصُ على جلب الأجواء الرمضانية إلى حياتها ومحيطها في إسبانيا خلال هذا الشهر، حيث تستعدُ لاستقبال رمضان برفقة زوجها وأطفالها الثلاثة قبل أسبوعٍ من قدومه، تُنظف منزلها، وتُعلّق أحبال الزينة والأهلة والمصابيح في منزلها، مُتشوّقينَ لحضوره، محاولةً تعريف أطفالها بأهمية هذا الشهر، وبالعادات المجتمعية فيه.

يعتبرُ المسلمون شهر رمضان المُبارك فرصةً لتطهير الذات، حيث يستغلّون أيامه بالصيام والصلاة وقراءة القرآن، ولياليه كذلك بالصلاة والطاعة والدعاء. كذلك يتعلّمون فيه  الصبر والتواضع، والإحساس بالفقراء الّذين لا يجدون الطعام في كلّ أنحاء العالم. هو يقوّي الإرادة على تحمّل الصعاب، إضافةً إلى دوره الصحي في تطهير الجسم.

من حي لافابييس في مدريد، وتُظهر شخصين يقومون بشراء بغض الأطعمة في ثاني أيام رمضان.
© محمد شباط

مرّ رمضان الماضي على المسلمين، الذين يتجاوز عددهم في إسبانيا مليونيّ مسلم، في ظل الحجر الصحي التام، كما في غالبية بلدان العالم، حيث تُوقفتْ جميع الأنشطة والعادات الاجتماعية التي يقوم بها المسلمون عادةً في رمضان، حاولت فاطمة في ذلك العام أن تأخذ الجانب الإيجابي، حيث لا يمكن تنفيذ أنشطة خارجية واجتماعية، لكن الجو العام كان رائعاً، حيث كانت “الّلمة العائلية”، تقول “لقد استغليتُ الوقت وأخذت الجانب الإيجابي، وهو أنه جمع العائلة، وقمنا بالطقوس الرمضانية على أجمل وجه”.

لكن افتقدتْ فاطمة خلال رمضان الماضي وكذلك الحالي الفطور الجماعي، حيث كانت تدعو هي وعائلتها  بعض الشبّان المهاجرين الذين لا يملكون الأوراق النظامية في اسبانيا. تقول: “نحاول خلال أيام رمضان دعوتهم إلى منزلنا، لنتحدث ولنتناول طعام الإفطار، ليعيشوا الأجواء العائلية الرمضانية معنا”

نشرت المفوضية الإسلامية في إسبانيا “مُذكّرة”، شرحتْ فيها حول شهر رمضان، مُشيرةً إلى الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها إسبانيا، حيث حالة الإنذار مُستمرة، والسلطات الصحية الوطنية والإقليمية مُستمرة في توخي الحذر، وحرصاً من المفوضية على تفادي انتقال هذا الفيروس، ومراعاة الإجراءات الصحية العامة المعمول بها، فإنّه ينبغي الاستفادة من شهر رمضان في سياق هذه التطورات التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

ووجهت إلى الجالية الإسلامية في إسبانيا، بأنّها لا تنصح بإقامة مائدة الإفطار في المساجد، لتلافي الازدحام ومخاطر العدوى، وضرورة الحفاظ على المسافات الضرورية بين الأشخاص والاستخدام الصحيح للأقنعة في كل حين، والتأكيد على ضرورة الامتثال للتوصيات بتجنب الحشود والتجمعات الكبيرة لأنها تعتبر الطرق الرئيسية لانتشار الفيروس.

تحدثتْ مجلة بيننا عبر اتصال هاتفي مع الدكتور “سامي المشطاوي” مسؤول الشؤون الثقافية والإسلامية في المركز الثقافي والإسلامي في مدريد، حيث أوضح بأنّهم يعملون بالتعاون مع  بلدية مدريد إلى توزيع سلل ومواد غذائية للأسر الفقيرة، وقد تم تجهيز ما يُسمّى بسلّة رمضان، حيث يتم توزيعها على الأسر التي تراهم بلدية مدريد بأنهم بحاجة إليها، كما يتم إعداد وجبات جافّة للصائم، تتضمن تمر وزجاجة ماء وحليب وبعض الحلويات المغلفة. 

يؤدي المسلمون عادةً في رمضان صلاة التراويح، وهي صلاة ليلية، تتضمن تلاوة للقرآن، وعادة ما يتم إجراؤها في جماعة في المسجد، أشار “الشمطاوي” بأنّه بما يخصّ صلاة التراويح هذا العام صعبة للغاية في المساجد، وذلك نظراً لتأخر صلاة العشاء، حيث يبدأ حظر التجوال من الساعة 11 ليلاً، وهو وقت غير كافٍ لأداء صلاة التراويح، مشيراً بأنّ المراكز الإسلامية عادةً تلتزم بالتوجيهات التي تصلها من السلطات.

تتحدث فاطمة حول رمضان مع عائلتها، تقول : “أحاول في رمضان أن يكون كلّ شيء جزائري، في تحضير المائدة الرمضانية ، حيث نجلبُ جميع اللوازم لتجهيز الأكلات المشهورة في رمضان في بلدي، مثل شوربة الفريك الجزائرية، والبوراك أو البوريك، والذي يكون بالخضروات واللحم أو بالدجاج، كذلك نُحضر نوعاً من الخبز، نُسميه في الجزائر بـ الكسرة، إضافةً إلى السَلَطَات بأنواعها، وأبرزها المشوية، كلّ هذه الأكلات نحاول من خلالها استحضار الأجواء الرمضانية”.

“محمد بوداربله” مهاجر من المغرب، يبلغ من العمر  24 عاماً، يعيشُ في إسبانيا منذ ما يقارب الثلاث سنوات، يسكن في منزل مع اصدقائه، يقضى رمضان الثالث هنا في مدريد بعيداً عن أهله , في وقت الإفطار يتحدث معهم عبر الإنترنت الوسيلة الوحيدة التي تُشعره بأنه يعيش أجواء رمضان. يشتاق الى تلك الأيام والأجواء الرمضانية في بلده المغرب، وإلى الاحتفال مع العائلة والذهاب إلى المسجد, يستذكر “الحريرية” و “الشبكية” تلك الأكلات المغربية المُفضلة لديه، كان يأكلها هنا في مدريد من خلال وجبة رمضانية، يُقدّمها أحد المساجد خلال وجبات الإفطار الجماعية، وبعد انتشار فيروس كورونا العام الماضي، انقطع ذلك، الآن يقول بأنّه سمع من بعض الأصدقاء، بأنّه رمضان الحالي يتم تقديم طعام في أحد المساجد الواقع في منطقة فاييكس، ولكن ليس كإفطار جماعي، بل بإعطاء الطعام لأخذه إلى البيت.

“محمد بوداربله” مهاجر من المغرب، يعيش في مدريد .
© محمد شباط

يتلقى محمد الشاب المغربي بعض التهنئات بقدوم رمضان، لكن يفتقد بلده المغرب عند بدء شهر رمضان كل الناس في الشارع تقول لبعضها “رمضان مبارك”، نفتقد هذا في إسبانيا، حيث لا يهنئك إلا من يعرفك، يقول تصلني رسائل من أصدقائي وزملائي الإسبان للتهنئة بشهر رمضان “feliz Ramadan”. يخبرنا عن مدرّس اللغة الإسبانية والذي هو صديقه الآن، حيث يشاركه الصيام في شهر رمضان، ويقول لمحمد ولبقية الطلاب المسلمين، بأنه يُشاركهم في صيام الشهر، لأنّ الصيام جيد للصحة. يقول محمد بأنه ما يدفع معلمه للصيام في هذا الشهر ليس فقط الصحة بل هو حبّه للمسلمين وللثقافة الإسلامية، حيث لديه الكثير من الأصدقاء المغاربة. 

أمّا فاطمة فلديها العديد من الصديقات من الجنسية الإسبانية، وأقربهنَ إليها هي “إيبا” والتي تشاركها الأجواء الرمضانية، وتقضي يوماً في منزلها، تصوم معهم لأنها تحبُّ تلك الأجواء والطقوس، توضح فاطمة بأنّ غالبية الإسبان ليس لديهم أي فكرة حول رمضان، لا يعلمون أنه أكثر من الصيام عن الطعام والشراب، لا يعلمون بأنه شهراً مقدّساً لدينا، وبأنه شهر عبادة وتطهير، “كنت أشرح لهم، وأحدثهم عن هذا الشهر وماذا نفعل فيه، وأخبرهم عن أهمية التهنئة بهذا الشهر بالنسبة لنا،  وبأنه كالتهنئة بأعياد الميلاد  بالنسبة لهم هنا في إسبانيا، جعلتهم يهتمون بذلك ويسألون، وأصبحوا يهنئوني ويسألوني عن تجهيزاتي، ويأتون لزيارتي في المنزل خلال الشهر الكريم”.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى