حقوقسياسة

“شهدنا ثورة إعلامية” حوار مع المصور الصحفي والناشط الفلسطيني عبد العفو بسام حول الأحداث في فلسطين.

تحول واضح في خطاب وسائل الإعلام الغربية ومواقف العديد من المشاهير الأوروبيين بعد الأحداث الأخيرة في فلسطين

عبد العفو بسام ناشط و مصور صحفي فلسطيني يعيش في مدينة القدس، ويعمل على تغطية أحداث المدينة منذ عقد من الزمن، من انتهاكات وعنف من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق السكان في مدينة القدس، وقام بتغطية الأحداث الأخيرة التي اندلعت في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح من اعتقالات للنشطاء والصحفيين، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن. تحدث الصحفي والناشط من هناك حول الأحداث الأخيرة بما في ذلك العدوان الإسرائيلي على غزة الذي خلف 250 قتيلًا غالبيتهم من المدنيين، والذي أدى أيضاً إلى تدمير برج الجلاء الذي يحتوي على مقرات صحفية دولية، مثل الجزيرة وأسوشيتد برس. قابلت مجلة “بيننا” الصحفي عبد العفو بسام للتعليق على أحداث فلسطين والتغطية الغربية التي كانت مختلفة تماماً عن السابق. وفق تعبيره.

كيف كانت تغطية الإعلام الغربي للأحداث الأخيرة في غزة والقدس وبقية المناطق الفلسطينية، هل كانت مختلفة عن المرات السابقة؟ 

بدايةً الأحداث الأخيرة التي كانت في القدس بشكل خاص وفي فلسطين بشكل عام، أخذت تغطية واسعة جدًا، الأحداث يمكن أن نشبهها بكرة الثلج التي كلما تدحرجت ازداد حجمها.

شعر الغرب أن هناك شيء كبير يحدث في فلسطين، كذلك التضامن الواسع في الدول العربية، شكّل فارقاً كبيراً، فكانت للمرة الأولى التغطية الغربية لما يحدث في فلسطين مختلفة عن السنوات السابقة، وشاهدنا مدى التأثير على وسائل التواصل الاجتماعي في تحريك الجاليات العربية الموجودة في أوروبا، كذلك الإعلام الغربي والصحف الغربية.

التأثير كان كبيراً لدرجة أنّ كثيراً من الصحف الأوروبية لم تستطع تبني الرواية الاسرائيلية كما كانت تفعل سابقًا، هذه المرة حتى الإعلام الغربي غير المتعاطف مع القضية الفلسطينية وغير المؤمن بالقضية الفلسطينية أُجبر على نقل صورة الاعتداء على المصلين في المسجد الأقصى على سبيل المثال، أُجبر على نقل كيف يتم قصف المدنيين في غزة، كان هناك نقلة نوعية، وشهدنا ما يمكن أن نسميه بالثورة الإعلامية.

ما هو رأيك كصحفي فلسطيني من جهة، ورأي الشارع الفلسطيني من جهة أخرى، حول الاستخدام الأخير لمصطلحات مثل (الفصل العنصري – والتطهير العرقي)، من قبل جهات فاعلة في المجتمع الدولي، وهي مصطلحات لم يتم استخدامها قبل ذلك في سياق الكلام؟

هذا سؤال مهم جداً ويقودنا أيضاً لنفس الدائرة التي نتكلم فيها، وهي التأثير الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أوصل صوتنا للممثلين والمشاهير العالميين الذين لديهم جمهور كبير، عندما يكون هناك لاعب كرة قدم أو ممثل لديه متابعين بالملايين فرأيه يؤثر على من يحبونه، تابعنا ولمسنا الكثير من المشاهير ممن كانوا منحازين بشكل واضح للاحتلال الإسرائيلي في السنوات السابقة، وتحديداً حول الحروب السابقة التي شهدها قطاع غزة، وكان لهم تغريدات مابين عامي 2014-2015 لا زالت موجودة حتى اللحظة، في الحرب على غزة كانوا منحازين حينها إلى الاحتلال الإسرائيلي وتغيرت آرائهم حالياً، وأصبحوا يناصرون القضية الفلسطينية ويفضحون جرائم الاحتلال، بالإضافة إلى استخدام المصطلحات التي أصبحنا نُركز عليها اليوم في الإعلام الغربي. 

نحن نتحدث في القدس عن تطهير عرقي وفصل عنصري، ومصطلحات يحاول الاحتلال الاسرائيلي بكل جهده اخفاءها عن العالم، يحاول أن يظهر بأن الموضوع عبارة عن بناء غير قانوني ومحاربة للإرهاب وأن الموضوع هو حفظ للأمن، ويحاول أن يظهر نفسه كجهة سيادية تحاول أن تحافظ على أمن شعبها، وهذا ما أدركه اليوم الإعلام والشعوب الغربية، بعد أن وصل الصوت بطرق مختلفة عن السابق. 

الإعلام الغربي يحاول أنْ يُظهر أنّ إسرائيل تتعامل مع إرهابيين، كيف تردون كصحفيين فلسطينيين على هذه الاتهامات؟

يختلف الوضع في فلسطين عن أي مكان في العالم، لا يوجد في كل العالم اليوم احتلال يأتي إلى دولة مأهولة بالسكان وهي دولة فلسطين، دولة كانت آمنة ويقول بأنه يريد أن تكون هذه الدولة لشعب من عرق ودين واحد فقط، اليوم نحن نعاني في فلسطين من محاولة تطهير عرقي واستبدال شعب بأكمله وبيوت ومدن وقرى بأكملها، قمع وإزالة الشعب من جذوره واستبداله بشعب آخر من دين آخر، فقط لأجل أن تكون هذه الدولة وهذا الدين فقط وهذا الشيء غير موجود في أي مكان في العالم، ما أقوله هو أن فلسطين كانت تحوي قبل عام 1948 جميع الديانات، كانت تحوي الديانة المسيحية واليهودية والاسلامية وجميعهم كانوا يعيشون سويةً، كما كان اليهود يعيشون في بغداد وفي دمشق والقاهرة، وأيضاً كانوا يعيشون في الفترات التي كان اليهود يحرقون ويطردون من أوروبا كانوا يلجأون للدول العربية والاسلامية وكانوا يعيشون في أمان.

يحاولون إخراجنا من بيوتنا ونحن ندافع عنها، لا يمكن أن يتم وصف صاحب الأرض الموجود فيها منذ مئات السنين بالإرهابي، بينما ترفع هذه التهمة عن المعتدي.

كيف يقوم الصحفيون الفلسطينيون المحليون بتغطية ما يجري في الداخل الفلسطيني؟

يقوم الصحفيون والمصورون من داخل القدس من داخل غزة ومن كافة المناطق الفلسطينية بالتغطية الإعلامية، رغم كل ما يعانون من قمع ومن اعتقال ومن تهديد ومن استجواب من قبل المخابرات الإسرائيلية، اليوم الصحفي في فلسطين المحتلة يعاني بشكل يؤثر على عمله ويشكل خطر على حياته. 

وهناك أمثلة كثيرة: شاهدنا كيف استهدف الاحتلال البرج الذي يحوي مقرات صحفية لوكالات دولية في غزة، كذلك ارتقى شهداء من الصحفيين نتيجة القصف، شاهدنا اعتقال صحفيين مثل اعتقال جيفارا البديري مراسلة الجزيرة قبل أيام من حي الشيخ جراح، (أنا كنت وشاهدت ما جرى بعيني وكنت أقف على بعد أمتار من جيفارا البديري، كانت جيفارا بجانب البيوت المهددة بالاخلاء تقوم بعملها الطبيعي، ودخلت المكان بعد تفقد هويتها الشخصية و بطاقتها الصحفية من قبل جنود الاحتلال، وهي تحمل معدات قناة الجزيرة وهم يعلمون أنها تلبس درع الصحافة ومع كل هذا قاموا الاعتداء عليها، ثم ادّعوا فيما بعد أنهم لا يعرفون أنها تعمل مع الجزيرة، بالرغم من أن الجميع شاهدها وهي تلبس زي الصحافة، لكنهم يتفننون بالكذب وهذا يحدث معنا بشكل مستمر).

جنود إسرائيليون يعتقلون مراسلة الجزيرة في القدس جيفارا البديري © عبد العفو بسام

العديد من الزملاء تم تكسير كاميراتهم بشكل متعمد في أحداث باب العامود وأحداث المجلس الأقصى، أنا بشكل شخصي تم الاعتداء علي بالضرب عدة مرات أثناء تغطياتي، وأصبتُ مرتين بالرصاص المطاطي داخل مدينة القدس، تم استهدافي بشكل مباشر داخل المسجد الأقصى وأنا أحمل كاميرتي، وأيضاً الصديق معاذ عمارنة أثناء وقوفه والتقاطه الصور، كان يلبس درع وخوذة الصحافة، تم قنصه مباشرة في عينيه وفقد بصره قبل حوالي سنتين، هناك أيضا عشرات بل مئات الصحفيين الذين تم استهدافهم، فلا يمكن وصف هذه الاستهدافات بأنها أمر عفوي، فرغم كل ما يقوم به الإسرائيليون من اعتداءات، يستمر الصحفيون الفلسطينيون بعملهم.

هل يمكن أن تتحدث عن تفاصيل الإصابة التي تعرضت لها في المسجد الأقصى؟ 

أنا أعمل تقريباً منذ 10 سنوات كمصور صحفي وقمت بتغطية مئات الأحداث في مدينة القدس، ولطالما تعرضتُ بشكل متعمد للاعتداء، تعرضتُ لاعتداءات كثيرة بالضرب، كذلك تعرضتُ للاستجواب والاعتقال لمرات عديدة، أنا لا أرتكب أي جريمة مخالفة للقانون، هم فقط لا يريدوننا أن ننقل الصوت والصورة.

في يوم 26 من شهر رمضان بعد صلاة المغرب وبعد تناول الناس الإفطار اقتحم الإسرائيليون باحات المسجد الأقصى بأعداد كبيرة من الجنود بأسلحتهم، أطلقوا مئات القنابل الصوتية والأعيرة المطاطية، كنت متواجداً في طبيعة الحال أحمل كاميرتي وأوثق ما يحدث. 

كنت أقف بعيداً كل البعد عن تجمّع الجنود وتجمّع الشباب، توجه إليّ جندي إسرائيلي بسلاحه وأنا شاهدته وهو يقنص ويريد إطلاق النار عليّ بالرصاص المطاطي والرصاص المعدني، وهو مؤذي جداً يتسبب بكسور وحروق وأضرار كبيرة جداً، وأحياناً يتسبب بفقدان العيون، قدّر الله أن أقوم بالالتفات في لحظة اطلاق النار لتُصيب الرصاصة ظهري، لكن قوتها تسببت في كسور في القفص الصدري، الحمد لله تلقيت العلاج في عيادة المسجد الأقصى، ولا زلت أعاني للآن من أوجاع.

جنود إسرائيليون يتقدمون باتجاه المسجد الأقصى بهدف اقتحامه / 26 نيسان أبريل 2021© عبد العفو بسام

هنا في اسبانيا يوجد تعاطف مع فلسطين اذا كنت تتابع، هل لديك رسالة تريد إيصالها؟

أنا غير متابع للصحافة الإسبانية بحكم عدم معرفتي للغة، لكن تابعت ما يصلنا من أخبار من تضامن الشعوب سواء من الجالية العربية الموجودة في إسبانيا أو الإسبان الداعمين للقضية الفلسطينية، تابعت المظاهرات التي خرجت في مدريد ومدن أخرى التي تساند الفلسطينيين وترفض العدوان، أعتقد أن هذا ما كان ليكون لولا جهود الصحافة الحرة في اسبانيا ممن هم مهتمين بالقضية الفلسطينية، وأقول كما قلت سابقا يجب أن يستمروا في نقل الحقيقة، نحن كفلسطينيين نرفض الظلم والعنف ونريد العيش بسلام مثل باقي دول العالم. 

ماذا توجه رسالة للصحفيين في الغرب لجعل التغطية أكثر موضوعية ومصداقية وعدالة؟

أنا أقول بأن الأيام التي كانت بها الرواية الإسرائيلية مصدقة قد ذهبت، تلك الرواية التي كان يتم اعتمادها ونشرها في وسائل الإعلام الغربية. رسالتي هي لا تتضامنوا مع القضية الفلسطينية دون تفكير وبحث وتحقق، ابحثوا عن الحقيقة تجدونها. واضح من يمارس الإرهاب وواضح من يمارس القتل وواضح من يضطهد الشعب، فالشعب يعاني من اضطهاد وتغييب للحقيقة، ومن تكميم للأفواه، لكن صوتنا سوف يصل، اليوم يُضرب الصحفي الفلسطيني، لأنه ينقل الحقيقة لكن يجب أن يسانده زملاؤه في المهنة من الصحفيين في كل دول العالم، ويشاركون في نقل الرسالة وينشرون ما يحاول الاحتلال منعه من النشر.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى