الرئيسيةحقوقمجتمع

القاصرون الأجانب هدف لخطاب الكراهية في إسبانيا

يتلقى القاصرون المهاجرون وحدهم غالبية الهجمات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والشباب الذين وصلوا سابقاً كقاصرين يحاربون هذه الأكاذيب.

محاربة العنصرية هي واحدة من أعظم التحديات في عصرنا، هي في الشوارع وفي المؤسسات وقبل كل شيء على الإنترنت. ومن بين الهجمات تلك التي تتدفق على شبكات التواصل الاجتماعي كل يوم، أبرز المجموعات التي يتم استهدافها بهذه الأكاذيب الجسيمة هم القُصّر الأجانب غير المصحوبين بذويهم. على الرغم من أن عدد الأجانب غير المصحوبين بذويهم في إسبانيا لا يتجاوز العشرة آلاف، إلا أنّهم الهدف المُفضل لمنشورات الكراهية على الإنترنت. 

حسب النشرة الأخيرة لرصد خطاب الكراهية على الشبكات الاجتماعية بين شهريّ يوليو وأغسطس من هذا العام، والتي نشرها المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب (OBERAXE) في مطلع سبتمبر، بأنّ الخُطب المعادية للمهاجرين القُصّر شكّلتْ 30٪ من خطاب الكراهية على الانترنت، بينما كان يبلغ هذا الخطاب 17.1٪ في الفترة السابقة بين مايو ويونيو.

إسماعيل المجدوبي واحد من الذين تعرّضوا لمثل هذه الهجمات عندما كان قاصراً، يقول “المسؤول عن هذا الخطاب هي الدولة التي لديها بالأساس سياسات عنصرية مؤسساتية” وصل إسماعيل إلى سبتة من قريته الحدودية مع إسبانيا والتي يتعايش فيها الأطفال مع حلم الهجرة، ولكن الهدف هو ما بعد سبتة وهو العبور لأقاليم أخرى في إسبانيا، كما يفعل آلاف القاصرين وطريقة العبور هي عبر الميناء وتكون تحت شاحنة في الغالب، يقول إسماعيل “تُسمّى هذه العملية “الريسكي” وهي مأخوذة من الفرنسية “risque” وتعني المخاطرة، لم أكن وحدي كان هناك مئات الأطفال هدفهم هو العبور إلى الجزيرة الخضراء مختبئين أسفل هذه الشاحنات في رحلة صعبة جداً وتستغرق ساعات”. تنفس إسماعيل تنفس الصعداء بعد وصوله إلى مدريد بعد عدة محاولات من العذاب، بعد البقاء في إقليم الأندلس في سبعة مراكز للقاصرين، يقول “المهم في النهاية أننا هنا، وقد حققت شيئاً مما أحلم بتحقيقه”.

يبلغ الشاب إسماعيل اليوم من العمر قرابة 22 سنة، وصل لإسبانيا عندما كان عمره 16 سنة، وعندما أتمّ إسماعيل الثامنة عشر – أي بعد وصوله إلى إسبانيا بأقل من عامين – كان أمام الخيار الأقسى بالنسبة لجميع القاصرين، والذي من الممكن أن يجعل حياتهم معقدة كليّاً، وهو مغادرة المراكز. وبينما كان إسماعيل قد بدأ بتدريب في الكهرباء الإلكترونية، وأكمل العام الأول منه، ويحتاج عاماً آخر لإنهائه، كان عرضةً لأن يكون في الشارع شأنه شأن آلاف القاصرين السابقين، لكن أُتيجتْ له الفرصة أن يكون ضمن أحد مراكز الشباب، مما ضمن له أن يعمل ويجتهد حتى يحقق حلمه.

إسماعيل المجدوبي يعمل الآن كوسيط اجتماعي بين الثقافات في منظمة الصليب الأحمر، وهو مؤسس وناطق باسم مجموعة (Ex Means) التي تهتم بالقاصرين المهاجرين غير المصحوبين، وتدافع عن حقوقهم، ولديها عمل سياسي واجتماعي لل ضغط على الرأي العام لتغيير القوانين الخاصة بالقاصرين وبالمراكز التي تستقبلهم.

يحاربون خطاب الكراهية بنجاحاتهم 

العشرات مثل المجدوبي دون سنّ الثامنة عشر يعيشون جولة الصراع بين الحاضر والمستقبل، ينتهي بهم المطاف بمحاولات العبور للوصول إلى إسبانيا، يقدمون من جميع أنحاء الشرق الأوسط ووفقاً لتقرير الجمعية الأندلسية لحقوق الإنسان 71٪ منهم من المغرب. يرى هؤلاء القاصرين مستقبلهم في المجيء إلى إسبانيا، فيصطدمون بواقع صعب يعايشونه، وربّما يتم ترحيل كثيرٌ منهم إلى بلدانهم – كما حصل مؤخراً في سبتة -، فيما يعاني جلّهم في مراكز القاصرين، التي تشتكي من قلّة الدعم وانعدام الاستقبال الجيد، ويتعرّضون للإقصاء الاجتماعي، ويتم وصمهم وتجريمهم في الحملات الانتخابية التي تقودها الأحزاب اليمنية. رغم كل ذلك هذا، الكثير منهم من ينجحون في تأسيس حياتهم في إسبانيا، ويصبحون أفراداً مستقلين فاعلين في المجتمع المضيف، ويتوقفون عن تلّقي أي مساعدات حكومية.

الوالي شرفي أعراب واحد من هؤلاء وهو من المغرب، وصل الشريف إلى الإسبانية في العام 1999 عندما كان يبلغ من العمر 17 عاماً، وبعد تحديده من قبل الشرطة كقاصر غير مصحوب، تمّ نقله إلى مراكز القاصرين، وهناك تعلّم اللغة الإسبانية، وانتهى من عدّة تدريبات تؤهله للعمل، وخلال أقل من عامين وبمساعدة مشرفين في مراكز القاصرين والشباب تمكّن من أن يكون مستقلّاً ويبدأ حياته العملية.

عمل خلال السنوات الأخيرة في مساعدة المهاجرين كرئيس لجمعية آفاق ولجمعيات أخرى في جزر الكناري يعملون على دمج المهاجرين بالمجتمع المضيف هناك، وتحدث هو بنفسه برفقة زملائه مع الفاعلين والسياسيين حول الهجرة والعنصرية المجتمعية والمؤسسية، يقول بأن بعضهم كان يُعمل عقله ويقتنع بكلامنا، وقسم منهم كان يقابلنا بالرفض ويغلقون الأبواب أمامنا.

خطاب الكراهية في ازدياد وتجريم غير مُبرر

يعلّق الشرفي على الإحصائيات حول خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي في حديث لمجلة بيننا رئيس جمعية الآفاق في جزر الكناري الوالي الشريف العراب، بأنه تم إنشاؤه مؤخراً، كان موجود لدى بعض الأشخاص بالطبع، لكن هناك إشاعات يستخدمها حزب يميني يعرفه الجميع في إسبانيا، يقذف الأكاذيب في كل مكان، ويبثّها عبر الإنترنت وعبر ملصقات في أماكن عامّة. يوضح: “يستمع عدد من الناس هنا للخطابات العنصرية لتلك الأحزاب ويعتقدون أنها صحيحة، لكن بالواقع نحن نعلم دائماً أن المهاجر يبحث عن فرص جديدة وحياة جديدة ويأتي لهذا السبب لا لما يتم ترويجه، نحن نؤمن بأنّ الهجرة هي حق من حقوق الإنسان، يمكن لأي شخص السفر أينما يريد”.  

يضيف “لم يكن خطاب الكراهية ضد القاصرين المهاجرين في إسبانيا في السابق، كالذي نعايشه في هذه السنوات الأخيرة”

جاء في التقرير السنوي للنيابة العامة في الدولة الصادر في أواخر أيلول سبتمبر الماضي، تحذير من التجريم المُقلق الذي يتعرّض له القُصّر الأجانب غير المصحوبين بذويهم، بطريقة غير مبرّرة وتمييّزية، حيث يتمّ تحميلهم المسؤولية، عن انعدام الأمن والجريمة، مما يؤدي إلى أعمال مضايقة تصل للعداء والعنف ضدهم.

وأعرب المُدّعين العامين في التقرير عن قلقهم بشأن نشر معلومات كاذبة حول ارتباط القاصرين المهاجرين بزيادة الجرائم، وبأنّه من الواجب تذكر أن هذه مجموعة ضعيفة كأجانب بشكل خاص، ويزيد من ضعفها الافتقار إلى الجذور الشخصية والعائلية.

يردّ القاصر السابق إسماعيل بقوله: “السبب الّذي من الممكن أن يجعل القاصرين عرضة للإجرام أو تجربة المخدرات وأن يكونوا خطراً على المجتمع هو قوانين الهجرة الحالية التي تترك هؤلاء الفتيان في مرحلة مبكّرة من أعمارهم بل في أخطر مرحلة في عمر الإنسان، ثم يصطدمون بالواقع وكثير منهم لا يُحسنون التصرّف، ويحتاجون للمساعدة والإرشاد والتوجيه”.

بدوره الشرفي القادم إلى إسبانيا من المغرب عبر البحر منذ أكثر من عشرين عاماً واليوم يحمل الجنسية الإسبانية، يقول “لقد عانيت لساعات طويلة في البحر، ولم يكن الموت بعيداً، هناك المئات ممن لم يتمكنوا من العبور وفقدوا حياتهم قبالة السواحل، الحقيقة أنّ ذلك مغامرة صعبة للغاية”. بعد هذه الرحلة والنجاة من الموت يؤكد، “هناك الكثير من الانتهاكات لحقوق القاصرين في إسبانيا، هذه القوانين التي تقول إنها تحمي القاصرين لم تعد صالحة، هذا شيء موجود في بيئتنا من حولنا في المراكز التي تحتوي على هؤلاء القاصرين، يجب زيارة هذه المراكز لمعرفة ما إذا كان هذا صحيحًا أم لا، أو التواصل لا السماع عن ذلك عبر شاشات التلفزة”.

مما لا شكّ فيه هو عدم وجود أرقام حقيقية تتحدث عن أعداد القاصرين الذين تجاوزوا هذه الصعوبات كما تجاوزها كلّاً من الشريف وإسماعيل، وهما ليسا سوى مثالين للعديد من القاصرين، والذين رغم كلّ القوانين المعادية للهجرة، ورغم كل خطاب الكراهية والعنصرية التي يتعرّضون لها، يستمرون في تحقيق النجاح ويصبحون أفراداً فاعلين في مجتمعهم المضيف، وما يأمله هؤلاء الفتيان اليوم هو فقط حياةً آمنة يحققون فيها ما يحلمون به.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى