الرئيسيةمجتمع

شبّان مهاجرون يهبون الحياة لإسبانيا

بينما يتخذ العديد من القاصرين الشارع مأوىً لهم بعد بلوغهم سنّ الرشد، تؤسس قرية "الموارادييل" مشروعاً وتمنح منزلاً لعدّة قاصرين.

عقبة محمدسارة اورتيغا
يساعد “خوان مانويل” بإصلاح حائط المنزل الذي يعيش فيه أربعة مهاجرون وصلوا إلى إسبانيا وهم قاصرون؛ المنزل الذي يقع في قرية “المورادييل” على بعد 140 كم من العاصمة مدريد. تبرّع زوجان من القرية بالمنزل المكوّن من طابقين وأربعة غرف، ويعدّ الآن مسكناً لياسين وعبد الرزاق وعمرو “دياراسوبا”. والجار مانويل يتطوع لمساعدة الشبّان بإصلاح الحائط لمنع تسرّب دخان الموقد إلى المنزل.

يُطلق على المنزل اسم بيت التضامن وهي فكرة طورتها “إيميليا لوزانو” وزوجها “لويس كاسياس” في أغسطس 2020، بعد أن شاهدت الشبّان الصغار في الشوارع بالقرب من مركز القاصرين “أورتاليثا” في مدريد، ووجدت أن ليس لديهم مكان يذهبون إليه بعد أن بلغوا سن الرشد.

قَدِمَ الشبان الأربعة إلى المدينة بمعونة “لوزانو”، رئيسة جمعية Somos Acogida، التي تعمل على تأمين مسكن للأطفال لتجنّب بقائهم في الشارع بعد أن يتم استبعادهم من مراكز القاصرين عندما يبلغوا سن الرشد. وصل الأربعة إلى إسبانيا بطرق مختلفة في عام 2019، واجهوا العديد من الصعوبات، التي يعاني منها الأطفال في المراكز التي تستقبلهم.

يغادر القاصرون المراكز عندما يبلغوا سنّ الرشد قانونياً وهو 18 سنة، ولكن بدون الدعم القانوني الذي ينبغي أن يحصلوا عليه، نتيجة للإجراءات البيروقراطية التي لا تنتهي، والتي تتسبب في عدم تسوية وضعهم لفترة طويلة. ينتهي المطاف بالعديد منهم بالتجوّل في الشوارع ويعيشون في خطر الترحيل إلى بلادهم، كما حدث مع 700 قاصر مغربي اتفقت إسبانيا على ترحيلهم في أغسطس الماضي، كما يعاني العديد منهم من نقص الرعاية الصحية.

يعاني القاصرون الأجانب من مشاكل كثيرة في إسبانيا. بالإضافة إلى أولئك الذين غادروا بلدانهم الأصلية عبر رحلات شاقة يستمرون بمواجهة الصعوبات في مراكز الاستقبال. من بين كل هؤلاء الأولاد، هناك ثمانية انتشروا في أماكن متعددة من إسبانيا قبل وصولهم إلى القرية، بينهم ياسين الذي يؤكد أنه حُرم من الرعاية الصحية في أحد المراكز التي أقام فيها في الأندلس، حيث كان يعاني من آلام في ساقه، يقول:  “طلبت منهم اصطحابي إلى الطبيب الذي كان في الجوار، لكنهم رفضوا ذلك”.

حياتهم في القرية 

الشبان في العشرينيات من العمر وأغلب  الجيران يعرفونهم يقول ياسين: “نحن هنا بخير. في ذاك اليوم أضعت الطريق وسألني أحد الجيران، أنت تعيش في منزل إيميليا؟ هو من هنا على اليمين”. يتفق الجميع على أنهم لم يعانوا من العنصرية في هذه القرية أو عدم الاحترام لقدومهم من بلدان أخرى. وسواء كانوا يفضلون العيش في القرية أو في مدريد، فهناك آراء مختلفة: منهم ممن كانوا في العاصمة يوضحون أنه شيء أكثر كآبة.، بينما يُفضّل القسم الآخر  ذلك، لأن هناك المزيد من فرص العمل في العاصمة. ولا يتعلق الأمر المشترك بينهم بالقدرة على الاختيار، بل بالمضي قدماً.

يريد عبد الرزاق أن يكون له عمله الخاص، كما يريد ياسين أن يكرّس نفسه للعمل بالكهرباء، وعمر يريد أن يكون سائقًا. ومع ذلك فقد وافقوا جميعًا على العمل في أي عمل يجدونه. بينما تتم معالجة الأوراق الدائمة، يتلقى ياسين و”دياراسوبا” التدريب في شركة للطاقة الكهروضوئية في بلدة مجاورة.

على اليسار ياسين وعلى اليمين عبد الرزاق، يجلسان في المنزل. عقبة محمد 

منفعة مشتركة

يحتاج الشبّان المهاجرون إلى مسكن يأويهم، وفي الوقت ذاته القرية بحاجة ماسّة لهم لأن معدل التسجيل في بلدية القرية منخفض، حيث تفقد مدينة توليدو التي تتبع القرية لها كل عام مائة وخمسة أشخاص وسطياً، بسبب مغادرة شبانها للدراسة أو العمل في المدن الأخرى، لذا يعتبر توطين الشبّان في القرية وتسجيلهم خطوة ضرورية. قد يقوم هؤلاء الشبان بإحياء القرية على المدى البعيد في حال استمر مشروع “لوزانو” بجلبهم وتوطينهم فيها. 

الخطوة الأولى التي يجب أن يقوموا بها عند دخولهم البلدة، هي التسجيل في البلدية حتى يتمكنوا من البحث عن وظيفة أو بدء الدراسة. وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء “INE”، فإن بلدية توليدو لديها أقل البيانات السكانية منذ عام 2008، حيث بلغ مجموع المقيمين المسجلين في عام 2020 5,073 نسمة. 

الوضع القانوني 

يعكس التعديل الأخير على لوائح الهجرة التغييرات، حيث يسمح بالحصول على تصريح الإقامة والعمل للشباب المسجلين بأنّهم وصلوا كقاصرين لهذا البلد واليوم تتراوح أعمارهم بين 18 و 23 عامًا وليس لديهم وثائق. لهذا من الضروري أن يثبتوا "أنهم شاركوا في أنشطة تدريبية وأنشطة مبرمجة"، وأن يثبتوا اندماجهم الاجتماعي. وفي هذا الصدد، أشادت عدة جهات فاعلة في القطاع الاجتماعي بالتغييرات، فيما قررت وزارة الدمج والضمان الاجتماعي والهجرة أن حوالي 15000 شخص سيتمكنون من الاستفادة من هذا الإجراء.

ومع ذلك، فإن هذا التعديل الذي تم إجراؤه هو لتجنب بقاء العديد من القاصرين في وضع إداري غير نظامي، وسيكونون في حالة إقصاء مطلقة، كما تقول المحامية  Loueila Mint El Mamy لمجلة بيننا، مشيرةً إلى أن التغيير يجب أن يكون مصحوباً بمبادرات حقيقية. وتضيف: "ستكون الأولوية لإيجاد مساحة يمكنهم من خلالها صنع حياتهم: حيث يمكنهم النوم أو تناول الطعام أو مواصلة الدراسة".

أشارت المحامية التي تتمتع بخبرة واسعة في العمل مع الشباب المهاجرين في جزر الكناري، إلى أن اللائحة يمكن أن تساعد العديد من الشباب الذين وصلوا لإسبانيا وهم قاصرون، إلا أن رعاية القُصّر ضرورية أيضًا ولا يتوفر لها حاليًا الموارد الكافية. بالإضافة إلى ذلك فإن المواعيد النهائية الطويلة للاعتراف بهم على أنهم قُصّر هي رحلة أخرى في وضعهم القانوني. "لحسن الحظ، سيتمكن أولئك الذين هم في برامج الوصاية السابقة من تسوية أوضاعهم من خلال هذا الإصلاح، ولكن سيبقى كثيرون في الشارع"، كما تحدد "لا سيما فيما يتعلق بالوضع في جزر الكناري".

ماذا توفر القرية للشباب المهاجرين؟ 

الفرص الوحيدة التي توفرها قرية "المورادييل" هي العمل في حقول العنب وصناعة النبيذ كونها منتجة له، وهو ما يفسّر رحيل الشباب عنها لعدم توفّر فرص إضافية، ما يجبرهم على مواصلة التعليم العالي في المدن الأخرى مثل مدريد أو "ألباثيته".

يؤكد "ألبرتو توستادو" عمدة القرية منذ أربع سنوات: "في الوقت الحالي إنها وظيفة مؤقتة جدًا لأنها مواسم، وأهمها التقليم والحصاد". وتشير "فاطمة المندروس"، جارة المنزل والمسؤولة عنه، أنه في عام 2021 استمر الحصاد 22 يوم عمل فقط. يضيف "توستادو" أن الشيء الجيد في وصول الأولاد إلى القرية هو أن هناك نقصًا في اليد العاملة في الحقول. وأيضًا "في الحقيقة أن لدينا تهجير عدد السكان وأن السكان [الموجودين] يتقدمون في السن".

وردًا على سؤال حول الإجراءات الخاصة ببقاء المهاجرين الشباب للعيش في المدينة، أضاف أن "البلديات لا تستطيع فعل الكثير"، وأن "الحكومة المركزية الإقليمية" توفر لهم الأمن لبقائهم. يقول إنهم في مؤسسته يشجعون القراءة أو يفتحون كافيتريا في المدرسة، لكن "مجلس المجتمع هو الذي لديه الكفاءات في النقل والصحة والتعليم"، وهي ثلاثة مجالات أساسية ولكنها مهملة. ويوضح قائلاً: "ما لدينا هنا هو الكثير من الأراضي والكثير من الحقول وعلينا استغلالها". "لهذا السبب، يكثر هنا مجال التصنيع، مثل الطماطم المجففة أو الزعفران، لكننا لم نجد أبدًا أشخاصًا يرغبون في الاستثمار أو يرغبون في تنفيذ هذا النوع من التصنيع"، مما قد يوفر للسكان وظيفة مستمرة بمرور الوقت وليس فقط شهرين في السنة.

الحفلة الموسيقية في قرية "المورادييل"، 12 ديسمبر 2021 / عقبة محمد 

لن يعاني الشبّان في المنزل من تسرّب دخان المدفأة بعد أن قام الجار بإصلاحه. ومع اقتراب عطلة عيد الميلاد، في منتصف ديسمبر، جاء العشرات من الجيران إلى الاحتفال الذي  قام الشبّان الذين أتوا إلى القرية منذ أكثر من عام بتنظيمه  ودعوا إليه جميع أهلها.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى