الربيعين العربي والإسباني… التجربة في الميزان

في سبيل الجواب على هذه الأسئلة سنتجه لدراسة حركات التغيير السياسي والاجتماعي التي قامت في إسبانيا ومقارنتها بأحداث العالم العربي. لنرى هل يمكن للشارع أن يغير الواقع السياسي في البلاد التي تمتلك مستوى عال من الحرية؟

Rajaai Bourhan

قد يتفاجئ القارىء العربي عند السماع بالربيع الإسباني، فقد انشغل الشارع العربي في بداية عام2011 بالحراك الاجتماعي التحول السياسي في الشرق الأوسط، ولم يعِ ماذا كان كان يحدث حينها في باقي بلدان العالم. لقد كان عام 2011 عاماً مفصلياً في التاريخ السياسي العالمي، حيث تحركت حينها كثير من الشعوب.

لإسقاط الأنظمة التي أدارت البلاد بعقلية الاحتكار، وكانت إسبانيا من أكثر البلدان التي شهدت انتفاضات على المنظومة الحاكمة في مدريد.

كان لفشل المواطن العادي (سواء في الوطن العربي او إسبانيا)  في إحداث التغيير عبر الأقنية السياسية الطبيعية دورٌ في نقل السياسة إلى الشارع، حيث ارتأى كثيرون أن الطريق الوحيد، للتقدّم نحو الأمام وتغيير الوضع القائم، هو النزول إلى الساحات لحشد الدعم الشعبي، والضغط على النظام السياسي القائم. 

ولكن السؤال هل يمكن يمكن للشارع إحداث التغيير المطلوب بعد فشل الأقنية الرسمية؟ وهل يعتمد الأمر على نوع النظام وطبيعة المحتجين ؟ أم توجد عوامل أخرى؟

 في سبيل الجواب على هذه الأسئلة سنتجه لدراسة حركات التغيير السياسي والاجتماعي التي قامت في إسبانيا ومقارنتها بأحداث العالم العربي. لنرى هل يمكن للشارع أن يغير الواقع السياسي في البلاد التي تمتلك مستوى عال من الحرية؟

الهدف تغيير النظام وآلية إنتاج السلطة وليس سياسات الحكومة 

(علينا أن لا نترك الأمر بيد السلطة لتحديد مصالح البلاد، يجب على الشعب أن يكون لاعباً أساسياً في ذلك. النظام لن يحل نفسه بنفسه، المظاهرات مهمة في جلب الانتباه) تقول إتشاسو دومينغيز الخبيرة بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي شاركت بالحراك الإسباني عام  2011 كما كانت شاهدة عيان على الثورات في الشرق الأوسط. على منوال العالم العربي، هكذا كان التوجه العام للحراك الذي يهدف إلى تغيير النظام وآلية إدارة الحكم وإنتاج السلطة، وليس لتغيير بعض السياسات كما درجت العادة. 

لقد دفعت السياسات الحكومية المتساهلة مع البنوك البلاد إلى شفير الإفلاس، ومع انتهاء أموال القروض المقدمة من الاتحاد الأوروبي عام 2011 بعد الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصاد الدولي سنة 2008، وبدء سياسات التقشف، خرجت هذه البنوك من الصورة دون أي محاسبة، بينما دفع المواطن العادي فاتورة سوء إدارة البلاد، حيث تقلص الإنفاق العام ومسّت إجراءات التقشف الصحة والتعليم وغيرها من القطاعات.

في هذه الأثناء كان الغضب الشعبي في إسبانيا يتصاعد، ودعت اتحادات العمال إلى إضراب شامل عام 2010 ولكنه فشل، فكما يبدو، أن فكرة الحراك الجماهيري ورغبة التغيير لم تختمر بعد حينها. ولكن مع قدوم العام الجديد، وانتشار المظاهرات في بلدان العالم العربي وخلع الرؤساء وتغيير الأنظمة، بدأت فكرة تغيير نظام الحكم في إسبانيا تلقى قبولاً وتشجيعاً، ذلك النظام القائم على تحالف السلطة مع الشركات الكبرى والبنوك. 

(لقد بدأنا في تلك الفترة بالتكلم حول السياسة، كيف نريدها أن تكون، وازداد النقاش حول الهموم المشتركة بين الناس) تقول ليلى نشواتي الكاتبة وأستاذة الصحافة في جامعة كارلوس الثالث لموقع بيننا. كانت النقاشات التي قامت بين الناس الراغبين بالتغيير دور في بلورة فكرة الاحتجاجات، التي نجحت في حشد الناس، فيما فشلت المنظمات التقليدية -مثل النقابات- في دفع الجماهير نحو الشارع.

تأسست حركة «ديمقراطية حقيقيّة الآن!» والعديد من الحركات والتجمعات الأخرى التي كانت نتاج تراكم نشاط سياسي لمجموعات وناشطين من اتجاهات مختلفة. ودعت هذه الحركات لمظاهرات ضد نظام الحكم القائم ولتغيير الواقع السياسي المخيم على البلاد منذ أربعين عاماً.

انطلقت المظاهرات يوم 15 أيار عام 2011، في أكثر من خمسين مدينة إسبانية، ضد الطبقة السياسية والنظام القائم، وكان لسان حال الشعب الإسباني حينها : الشعب يريد تغيير النظام، وليس الحكومة أو سياساتها، أو كما صاغه الإسبانيون بأنفسهم : «لسنا سلعةً في أيدي السياسيين والمصرفيين». 

قامت قوات الأمن في العاصمة مدريد فجر يوم 16 أيار بإجلاء المتظاهرين من ساحة “سول” الواقعة وسط المدينة واعتقلت 19 شخصا. عاد عشرة آلاف شخص للتظاهر يوم 17 أيار في نفس الساحة، وأقاموا فيها مخيماً شكل الصورة الرئيسية التي عُرفت بها حركة “الغاضبون” المنبثقة عن المظاهرات في مختلف أنحاء العالم.

وفي الأيام التالية تكررت عملية إقامة مخيمات للمحتجين في الساحات الرئيسية بالمدن الإسبانية، دعا “الغاضبون” خلالها -عبر مواقع الإنترنت- إلى عدم التصويت للأحزاب الرئيسية في انتخابات يوم 5حزيران 2011 واستمرت مخيمات “الغاضبون” في العديد من المدن الرئيسية -خاصة مدريد وبرشلونة– إلى ما بعد تلك الانتخابات.

وكما في الربيع العربي، لم يقد المظاهرات حزب أو جماعة معينة، كان الحراك يقوده الشباب، الذين يعاني 40% منهم من البطالة رغم تحصيلهم العلمي، ونادت المظاهرات بتغيير نظام السياسي القائم على تناوب حزبين فقط السلطة في إسبانيا، ونادوا بإنهاء نفوذ أساطين المال وفك تحالفهم مع السلطة، ومشاركة شعبية أكبر في صياغة سياسات البلاد.

وفي أعقاب تلك المظاهرات بدأ تفكيك المخيمات تدريجيا، وتحول هذا الحراك الضخم إلى جمعيات شعبية في أحياء المدن وفي البلدات، وتكونت جماعات تخصصت كل منها في تنظيم الأنشطة الاحتجاجية للمطالبة بإصلاح جانب معين من الجوانب المهنية والاجتماعية في إسبانيا، لمواصلة النشاط الاحتجاجي لحركة “الغاضبون“.

ونشأت من رحم ذلك الحراك أحزاب سياسية جديدة اختلف وزنها على الساحة السياسية، مثل “حزب إكس” عام 2014 الذي لم يحقق نجاحات انتخابية، وحزب “بوديموس” الذي فاز -بعد ثلاثة أشهر فقط من تأسيسه- بخمسة مقاعد في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014 محققاً مفاجأة مذهلة، ثم حل ثالثا في الانتخابات العامة الإسبانية 2015 والآن يملك 35 مقعداً في البرلمان الإسباني، بالإضافة إلى مشاركته بحكومة بيدرو سانشيز عام 2020 بعدة وزراء. 

لمتابعة قراءة المقال اضعط هنا.

زر الذهاب إلى الأعلى