الرئيسيةتاريخ وثقافةمقابلات

دانيال بني أمية: مدريد مدينة متنوعة الأعراق والثقافات منذ النشأة

"مدريد هي العاصمة الأوروبية الوحيدة ذات الأصل الإسلامي" هذا ما يخبر به دانيل خيل بني أمية في مقابلته مع مجلة بيننا، وهو يتحدث حول أصول مدريد وتأسيسها، وحول أهمية معرفة أصولها الإسلامية، وعلاقة ذلك بالإسلاموفوبيا

يكثرُ الحديث عن الأندلس وعن أصولها الإسلاميّة، وعن الأرث التاريخيّ الّذي تركهُ المسلمون والعربُ في تلك الأرض خلال 800 عامٍ كانتْ لهم السيطرة فيها، لكن قلّة قليلة من تقول بأنّ مدريد أو مجريط – كما يحلو لهم تسميتها – ذات أصولٍ إسلاميّةٍ، وبأنّها أُسّست من قبل أحد أمراء الأندلس في منتصف القرن الثامن، على الرغم من أنّ العديد من الآثار الإسلاميّة والأسماء للعديد من المواقع الأثريّة، ما تزالُ حاضرةٌ حتى اليوم، رغم كلّ المحاولات لطمسها.

دانيال خيل بني أمية واحدٌ من أولئك القلائل الّذين يؤكدّون: بأنّ مدريد العاصمة الأوروبيّة الوحيدة ذات الأصول الإسلاميّة، وهو إسبانيّ الأب والأمّ، مولودٌ في المغرب لأنّ والده كان يعمل هناك في ذلك الوقت. درس فقه اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وعمل في البيت العربي في مدريد، وفي مؤسسة الثقافة الإسلامية، ويعمل الآن أستاذاً لتاريخ الأندلس في جامعة كومبلوتنسي في مدريد، ويُكرّس نفسه بشكل خاصٍّ للقضايا الّتي لها علاقة بتاريخ الأندلس ودور الإسلام بشكل عامٍ والأندلس بشكل خاصّ في الهوية الوطنية الإسبانية.

 ألتقينا بدانيال بني أمية في مجلة بيننا وتحاورنا معه حول العديد من القضايا المُتعلّقة بمدريد وتأسيسها، وتساءلنا لماذا يجب معرفة الأصول الإسلامية لهذه المدينة، وما علاقة ذلك بالإسلاموفوبيا؟

أهمية معرفة أصول مدريد الإسلامية، وعلاقة ذلك بالإسلاموفوبيا © محمد شباط

 بدايةً نودُّ أن نتعرّف على دانيال بني أمية، ومن أين جاءت بني أمية؟

بنو أمية هو لقب جدّي من جهة أبي، وهو من غرناطة، وهناك أسطورة عائليّة تقول بإنّ عائلة جدّي تنحدر من شخصية مغاربيّة ثائرة، كانت في غرناطة في العام 1568، وكان اسمه باللغة الإسبانية لويس دي بالو وبالعربية عبد الله بني أمية، بسبب تلك الأسطورة أخذ جدّي هذا اللقب.

ما الدوافع إلى تأليف كتاب مدريد الإسلامية التاريخ المُستعاد، لماذا التاريخ المُستعاد؟

مدريد هي العاصمة الأوروبية الوحيدة ذات الأصل الإسلامي. وفقًا للمصادر ولأقدم البيانات الأثرية للمدينة، فقد ظهرت مدريد في منتصف القرن الثامن، حين أعطت الأمر بذلك إمارة الأندلس، وقد تمّ تأسيسها على يد محمد الأوّل من قرطبة، وكانتْ تابعة للأندلس لما يقرب من 250 عاماً، وغزاها لاحقاً القشتاليون، لكن استمر وجود أقلّيّة مُسلِمة فيها لمدّة 500 عام أخرى، ما يعني أنّ مدريد لديها تاريخ إسلامي يبلغ حوالي 750 سنة، أي لمدّة سبعة قرونٍ ونصف منذ تأسيسها الإسلامي.

ومع ذلك، فهذه قصة لا يعرفها من سكّان مدريد سوى القليل، ويرجع ذلك أساساً إلى وجود عدد قليل جدّاً من البقايا المادّيّة، لأنّه تمّ تدمير معظمها مع مرور الزمن، ولأنّ مدريد كانتْ عاصمة إسبانيا منذ منتصف القرن السادس عشر، فلم يكن من المناسب الاعتراف بالماضي الإسلامي.

هنا نضع في اعتبارنا أنّه عندما أصبحت مدريد العاصمة في عهد فيليب الثاني، كانت عاصمة أكبر إمبراطوريّة في ذلك الزمن، وهي الّتي كانتْ قدّمتْ نفسها على أنّها الإمبراطورية الكاثوليكية بامتياز، أي المُدافعة عن العقيدة المسيحيّة والكاثوليكيّة، أدّى ذلك إلى محاولة إخفاء ماضي مدريد الإسلاميّ، وتدمير الآثار الإسلاميّة الّتي كانتْ موجودة في مدريد، لقد دمّروا التاريخ والذاكرة.

بالنسبة لك كيف توجهت للبحث والتأليف في هذا المجال، هل هناك قصة معينة أو دوافع للدخول في هذا المجال؟

لقد عشت في مدريد لفترة زمنية طويلة، إنّها مدينة أحبّها، وأحب أن أعرف تاريخها. وعندما كنت أعمل فيه في البيت العربي، طلبوا مني تنسيق كتاب عن تاريخ العرب في مدريد، كان علينا أن نبدأ منذ تأسيس المدينة، وهناك بدأت في البحث ودراسة الأصول الإسلامية لها.

إذن هل مدريد عربية أم إسلامية؟

الاثنان على حدّ سواء، أُفضّل استخدام المصطلح “مدريد الإسلامية” لأنّه يُغطي فترةً أوسع. المصطلح “مدريد العربية” يُشير قبل كلّ شيء إلى الحقبة الأندلسية، لكن الأقلّيّة المسلمة الّتي جاءتْ لاحقاً لا يمكن القول أنّها أقلّيّة عربيّة، لأنّهم لم يعودوا يتحدثون العربية بل الإسبانية.

برأيك كباحث في التاريخ، لماذا من المهم معرفة أصول وهوية مدينة أوروبيّة مثل مدريد؟

لقد عشنا منذ عدّة سنوات في سياق تميّز بفكرة صدام الحضارات، وفكرة أنّ أوروبا أو الغرب والعالم الإسلامي متضادان، هذا هو السبب في أنّ تسمية مدريد الإسلاميّة هي أيضًا رهان سياسي ضد الإسلاموفوبيا والعنصريّة، ليس لإظهار أن الحضارة الإسلاميّة ليست شيئًا خارجياً هنا ومن الماضي، بل إنّها شيء يشكلنا وهو جزء منّا، حتى لو كنا لا نريد الاعتراف بهذا، لدي المزيد لأفعله بما يتعلق بالالتزام السياسي ضد الإسلاموفوبيا والعنصرية حتى يدرك الناس أن مدريد كانت دائماً مدينة متنوعة الأعراق والثقافات منذ التأسيس.

في أي حقبة تاريخية بدأ فعيلياً تغيير تاريخ مدريد الإسلامي وإخفاء معالمها؟

كانت اللحظة التي توقفتْ فيها مدريد عن كونها إسلامية في عام 1085، عندما غزا الملك ألفونسو السادس ملك قشتالة مملكة طليطلة (توليدو)، الّتي كانتْ مدريد جزءاً منها، وتمّ دمجها في قشتالة، ومنذ ذلك الحين غادر معظم سكّان مدريد، ولم يبقَ سوى أقلّيّة إسلاميّة بقيتْ موجودة لمدّة 500 عام؛ أيّ حتّى عام 1502، حين أُجبر مسلمو قشتالة على التحوّل، حيث في عام 1492 طرد الملوك الكاثوليك اليهود، ثمّ قرّروا في عام 1502 تدمير المسلمين، ليس بطردهم ولكن بإجبارهم على اعتناق المسيحيّة، لكن عندما حوّلوا مدريد إلى عاصمة لإسبانيا في العام 1561، بدأ كل شيء يتغير لأنّ تاريخها الإسلامي بدأ يختفي شيئاً فشيئاً.

بعد هذا بقيت مدريد تضمّ مسلمين يعملون في بعض المهن والحِرَف العامّة، فكيف اختفوا أو أصبحوا أقلّيّة؟

في الوقت الذي كانت فيه مملكة غرناطة موجودة منذ نهاية القرن الحادي عشر إلى بداية القرن السادس عشر، أي في الفترة الّتي كانت فيها الأندلس موجودة، كان حينها نظام احترام للأقلّيّات الدّينيّة في مدريد، على غرار ذلك الّذي كان موجوداً في الأندلس.

كانت الفكرة عبارة عن تبادل، إذا سمحنا للمسلمين بالبقاء في غرناطة، فإنّهم سيحترمون المسيحيين، لكن في اللحظة التي اختفتْ فيها غرناطة 1492، حين اختفتْ الأندلس أيضاً، لم يعد هناك أيّ سبب للحفاظ على الأقلّيّات الدّينيّة، عندها أُصدر قرار أنّه يجب على جميع المسلمين أن يعتنقوا المسيحية، وعندها اختفى المسلمون رسميّاً.

مع ذلك وعلى الرغم أنّ كثير من المسلمين اعتنق المسيحيّة، إلّا أنّهم لم يصبحوا مسيحيين حقّاً، وهذا هو سبب تسميتهم بالموريسكيين “Moriscos” والّتي تُشبه مورو، والتي كانت تعني في ذلك الوقت “مُسلِم”. اليوم تشير كلمة مورو بشكلٍ عامّ إلى المغاربة، شعب المغرب العربي. ومعنى “موريسكي” أنّ هذا الشخص مسيحي لكنه يبدو مسلماً، وعلى الأغلب يكون مسلماً في السرّ.

كيف كان التعايش بين الأديان عندما كانتْ مدريد إسلامية؟

لا نعرف، لأنّه لا توجد بيانات عن وجود يهود أو مسيحيين، لأنّ المصادر المكتوبة تتحدث فقط عن المسلمين، لذلك لا نعرف ما إذا كان هناك يهود أو مسيحيين حقّاً، لكن من الممكن وجودهم. على كلّ حال التعايش بشكل عامّ في زمن إمارة الخلافة كان جيداً إلى حدٍّ ما وداخل النظام الموجود. هناك دليل مادّي وحيد على احتمالية وجود مسيحيين في مدريد، وهو العثور على عظام خنازير في حفرَيْن أثريين.

هناك نشطاء في إسبانيا يتحدثون حول التاريخ الإسلامي الأندلسي، وبالطبع هم كُثر، لكن ما هو الحال بالنسبة للحديث حول أصول مدريد الإسلامية، هل هناك العديد من النشطاء والأبحاث والكتب حول ذلك؟ 

نعم، يوجد عدد غير قليل من الباحثين والكتب، منذ منتصف القرن العشرين وحتّى يومنا هذا، لكنّها معرفة محدودة ضمن البيئة الأكاديميّة والجامعيّة فقط. من الطبيعي أن المعرفة الأكاديمية لا تذهب إلى المجتمع. أنا أنتمي إلى مركز دراسات حول مدريد الإسلامية، وهي من أهم المبادرات التي تم إنشاؤها في هذا الصدد، أيضاً هناك رافائيل مارتينيث يشارك من خلال موقعه على الإنترنت اسمه مدريد العربية.

هناك جهود تبذلونها أنت ومركز الدراسات الإسلاميّة في مدريد، بهدف تعزيز الاعتراف بالأصول الإسلامية لمدريد، ما الذي تمّ تحقيقه حتّى اللحظة؟

الّذي تحقّق هو أنّ الجمهور أو جزء مُهمّ منه على الأقلّ أصبح مهتمّاً بتاريخ مدريد، هم أناس يعرفون أصول مدريد. تمّ نشر العديد من الأشياء نتيجة أنشطتنا، على سبيل المثال، نقوم بجولات إرشادية وقد بدأ المزيد والمزيد من الأشخاص بتنفيذها أيضاً. كما بدأ الموضوع في الظهور في وسائل الإعلام، حتّى أنّ قناة “Telemadrid” قدّمتْ سلسلة من التقارير الجيدة جدّاً عن أصول مدريد، وواحدة منها عن أصول مدريد الإسلامية. أعتقد أن ما تمّ تحقيقه في النهاية هو إثارة الاهتمام.

التراث الإسلامي في مدريد©محمد شباط

أمّا على مستوى المؤسّسات، لم يتحقّق شيء عمليّاً، تُحجمُ المؤسّسات عن الاعتراف بأصل مدريد الإسلاميّ، مثلاً مجلس مدينة مدريد، خاصّةً المجلس الحالي، والّذي هو من الأحزاب اليمينيّة، لأنّ هناك أيضاً قضية سياسية، فاليمين أكثر قوميّة ولديه مشاكل أكثر مع الماضي الإسلامي، لكن في الواقع أيضاً اليسار لا يحب ذلك كثيراً، لذلك لم نُحقّق أي اعتراف مؤسسيّ، ولم يتمّ وضع علامات على أشياء كثيرة في مدريد لا يعرفها الناس لأنّها غير محمية. هناك الكثير من العمل يجب القيام به.

هل هناك اهتمامٌ من وسائل الإعلام في إسبانيا لإبراز أصول مدريد، كيف تتعاملُ وسائل الإعلام مع هذه الحقائق والأدلّة الّتي تعملون عليها خلال تحقيقاتكم والكتب التي تصدرونها؟

هناك اهتمام نسبيّ، يقتصر الأمر على بعض وسائل الإعلام الّتي كانت مهتمة، ويأتي الاهتمام من الصحفيين الثقافيين غالباً، من جانب آخر، تُنكر العديد من وسائل الإعلام الأصل الإسلاميّ لمدريد، هذه المعرفة الحديثة، والتي عُرفتْ فقط خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يُثير ردود فعل ضدها، فهناك صحفيون يبحثون عن أشخاص يخبرونهم أن مدريد ليست من أصل إسلامي ، بل من أصل رومانيّ.

لماذا؟

يخافُ النّاس من كلمة “إسلاميّ”. فكّرنا كثيراً في هذا الشيء، لم نكن نعرف ما إذا كان من الجيد الحديث عن مدريد الإسلامية، ربّما كان ينبغي أن نقول “مدريد العربيّة” على سبيل المثال أو “مدريد الأندلسيّة” لتنعيم اللفظ. لقد أردنا المُراهنة على قول “مدريد الإسلامية” للاستفزاز قليلاً، لإثارة ردود الفعل، لكن هذا أيضاً كان له فيما بعد مشاكل؛ إذا ذهبنا إلى الصحافة أو المؤسسات حاملين مُصطلح “مدريد الإسلامية” نجد أحياناً ممانعة. القول بأن مدريد ذات أصل إسلامي أمر لا يرغب كثير من الناس في قراءته أو سماعه، فهو صراع، لأنّه يتمّ ربط الإسلام بالإرهاب الإسلاميّ. على سبيل المثال، قيل لنا في الشبكات وفي التعليقات الصحفية أنّنا إذا تحدثنا عن مدريد الإسلامية، فإنّنا نُعرّضُ مدريد للخطر لأنّ المسلمين سيطالبون باستعادة المدينة.

نحن في “بيننا” مجلة ناشئة حديثاً، ماذا تقدم لنا كنصيحة للتعريف بأصول مدريد وإظهار هويتها الحقيقية؟

من المهم جعل المعلومات معروفة باللغة العربيّة، لأنّنا لا نكفي لجلب اهتمام المؤسسات والمستثمرين، إذا كان هناك أُناس من الدول العربية أو الدول الإسلامية فهذا أفضل، في حال كان هناك تقديم طلبات على السياحة حول التراث الإسلامي لمدريد، في حال كان هناك المزيد من المنشورات حول ذلك، فإنّ الإدارة الإسبانية أيضاً ستكون أكثر اهتماماً بهذا التراث، لذلك أعتقدُ أنّ جعلّ ذلك معروفاً خارج إسبانيا وباللغة العربية سيكون أمراً مُمتعاً للغاية.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى