قراءة سهلةقصصنا

التّطوّعُ جزءٌ مِنْ الحياةِ، كيفَ أكونُ قادراً على التّغيّيرِ ولا أفعلُ؟

مَلَاك زنجي، شابّةٌ لبنانيّةٌ، ناشطةٌ في الدفاعِ عنْ حقوقِ الإنسانِ والمرأةِ، عملتْ ضمنَ العديدِ مِنَ المشاريعِ النّسويّةِ في بلدها، ومُؤسِّسة في مشروعِ “Chefugee” أحدُ أبرزِ المشاريعِ الخاصّةِ باللاجئينَ وطلّابِ اللجوءِ في إسبانيا.

قراءة سهلة

مَلَاك زنجي، شابّةٌ لبنانيّةٌ، في الثّانيةِ والثلاثينَ مِنَ العُمرِِ، تعيشُ منذُ خمسِ سنواتٍ في مدريد “العاصمةُ الإسبانيّةُ”، تُؤمنُ بالتّواصلِ للوصولِ للسَّلامِ، تُحبُّ الطبيعةَ والمُوسيقى. درستْ في لبنان ثمّ في إيطاليا، ناشطةٌ في الدفاعِ عنْ حقوقِ الإنسانِ والمرأةِ، عملتْ ضمنَ العديدِ مِنَ المشاريعِ النّسويّةِ في بلدها، ومُؤسِّسة في جمعية”Chefugee” أحدُ أبرزِ المشاريعِ الخاصّةِ باللاجئينَ وطلّابِ اللجوءِ في إسبانيا. 

ألتقينَا بِمَلَاك في أحدِ المَقاهي، ضِمنَ أحدِ شوارع مدريد الّتي تَعشقَُها. لمْ ترغبْ الشّابة في الحديثِ كثيراً عنْ نفسها كانتْ على عجلةٍ لِتنقلَنا للحديثِ حولَ جمعية Chefuge، الّذي تعتبرُ نفسها جزءاً منها لا مُؤسسّاً لهُ، وتعتبرُ بأنّهم كمؤسّسين ليسوا إلّا وسيلةً مساعدةً للاجئِ الطبّاخِ حتّى يأخذَ المبادرةِ، ويُنطلقَ منها ليتمكّنَ اجتماعياً واقتصادياً. بَلهجتها البيروتيّة الممزوجة بالمصطلحات الإنجليزيّة، قصّتْ لنا حكاية فتاةٍ لبنانيّةٍ إسبانيّة، تنبضُ بالطّاقةِ والحيويّةِ. سعيدةٌ بوجُودِها هُنا، في هذا المُجتمعِ الدّافئِ، القريب من النّفسِ – وفقَ تعبيرِها -، لا يعكّر صفَوهَا سوى البُعد عن الأهلِ.

مَلَاك، هل أنتِ ابنة بيروت؟ أجابت: “ولدتُ فيها، وأصلي من جنوب لبنان، لم أتمكن من زيارة مسقط رأسي بلدة الطيبة في الجنوب منذ العام 2000 بسببِ الاحتلال الإسرائيليّ”، كانَ أبو مَلَاك يذهبُ مَعَ عائلَتِه، ويُشيرُ لَهُم، عندَ تلكَ التّلّة الصّغيرةِ هُناكَ بلدتُنا. كانتْ الطّفلةُ في عمرِ الثّانيةَ عشَر، عندَ تحريرِ الجنوبِ الّلبنانيّ في العامِ 2000، بعدَ تحريرِ بلدتِهم أسرعُوا إليها لرُؤَيةِ منزلِهم القديم، كانَ مَا يزالُ إطلاقُ النّارِ وأصواتُ القنابلِ في القُرى المجاورةِ،

عنْدَمَا وضعتُ رجلي على أرضِ الطّيبةِ، كأنّي وضعتُ رِجلي على القمرِ، شيءٌ أُحبّه ولَمْ أرَهُ مِنْ قَبل.

تأثّرتْ الطّفلةُ بأمرٍ ربّما كانَ عاكساً لمنحى حياتِها ودافعاً لحُبّهَا للتّطوّع لاحقاً، وهي فكرةُ “الكشّافةِ” تلكَ الحركةُ الشّبابيّةُ التّربويّةُ، الّتي تهدفُ إلى تنميةِ الشّبابِ، وتمكينهُم ليَكونُوا مُؤثرِينَ في مُجتمعِهم منذُ نعومةِ أظفارهم، انْضمّتْ مَلَاك لَها ضمنَ مرحلةِ الأشبالِ مِن 12-17 سنة، واستمرت فيه حتّى بلوغ الـ 22 نت عمرها، أبرزُ ما تعلّمتْهُ، إضافةً إلى حبّ الطّبيعةِ، ومُساعدة كبار السنّ، وكلّ من يحتاجُ للمساعدةِ، هوَ كيفَ يمكنُ أنْ تخدمَ مُجتمعَكَ، وكيف لكَ أنْ تكونَ قائداً فيه”.

دفعَ ذلكَ باللبنانيَة اليافعةِ فيما بعد إلى التّطوّعِ ضمنَ منظّماتٍ غيرَ حكوميّةٍ، هدفُها التّمكينُ للأفرادِ في المجتمعِ المدنيّ، كانَ أبرزُها مشروعُ “شو قصّتك؟” الّذي يركّزُ على المناطقَ الرّيفيّةِ المُهمشةِ، وبشكلٍ خاصٍّ على النّساءِ، كذلك ضمنَ مشروعِ “العاملاتُ المنزليات”، الّذي يهدفُ إلى تمكينِ المرأةِ في الجانبِ الإلكترونيّ.

درستْ في الجامعةِ الّلبنانيّةِ الدّوليّةِ، ضمنَ سياقِ فنّ التّواصلِ “دعايةٌ وإعلان”، وفي العامِ 2013 توجهتْ إلى إيطاليا، لِتدرسَ في مجال السياحة، والتركيز بشكلٍ خاصّ حول “السّياحةَ لصناعةِ السّلامِ”، لينقُلَها هذا الاختصاص بعدَ عامين إلى العملِ الدّوليّ مَع الأممِ المُتحدّةَ في قطّاعِ السّياحةِ في إسبانيا، الّتي ما زالتْ فيها حتّى اليومِ.

الصورة لِـ ملاك في شارع (Calle de la Independencia) وسط العاصمة مدريد.
© محمد شباط.

فتح الشهية والحدود “الطبّاخ اللاجئ (CHEFUGEE)”

فكّرتْ مَلَاك برفقةِ ثلاثةٍ منْ أصدقائها عنْ لغةٍ تجمعُ الجميعَ “نتاليا، فيليشيا، إياد”، وجدُوا أنّهُ ربّما تكونُ الطّعامَ وتجهيزهِ، حيثُ تَحوي كلّ وجبةٍ على العديدِ منَ القصصِ، إضافةً إلى أنّها متوافقةً معَ الهدفِ المرسومِ وهو “إدماجُ اللاجئينَ وطالبيّ اللجوءِ في المجتمعِ اقتصاديّاًَ واجتماعيّاً”. وأنْ تكونَ مهمّة الفريق “توفيرُ فرصٍ للطُّهاةِ المُوهوبينَ من طالبيّ اللجوءِ واللاجئينَ لنشرِ الوعي ومشاركةِ ثقافاتهم وكسبِ أجورٍ عادلةٍ، من خلالِ مهاراتِهم في الطهيّ”.

بدأَ التّطبيقُ الأوّلُ للفكرةِ عملياً، ليُعدّ الطّعامَ طبّاخٌ سوريٌّ لاجئٌ في مدريد، ويتبرّعَ مُتطوعان اثنان، أحدهما إسبانيّ والآخرُ من جنسيةٍ أُخرى، بالمنزلِ الأوّلِ لإعدادِ الطّعامِ، واستقبال المدعويَنَ الّذينَ سوف يتبرعونَ فيما بعد بمبالغَ زهيدةٍ، تكونُ ثمناً لموادِّ الطّهو، ولِمَنْ يُعدَّ الطّعامَ.

كانتْ الدّعوةُ الأولى فقط للأصدقاءِ، ووقعنَا في العديدِ من الأخطاءِ، الّتي تعلّمنا منها في أعمالنا المُقبلةِ”، وفقاً لتعبيرِ مَلَك.

تطوّرتْ الفكرةُ لاحقاً، ومِن منزلٍ لآخر، ومع عدّة طبّاخينَ لاجئينَ وطُلّابِ لجوءٍ. كانَ المُميّزُ فيها هوَ تحقيقُ الدّمجِ الاجتماعيِّ للّاجئينَ، بتسليمِِ القيادةِ للطبّاخِ اللاجئِ ليتواصلَ مَعَ الجمهورِ القادمِ لتناولِ الطّعام. ثمّ الحديث حولَ قصّتِهِ، ولجوئِهِ في إسبانيا، أو حول قصّة الطّبقِ الّذي يتمّ إعدادَه وتقديمهُ للحضورِ. ومِنْ ثمّ أصبحتْ هذه الفعاليات تتمّ في مطَاعمَ، يتواصلُ أصحابُها مُبدينَ إعجابهم بالفكرةِ، عارضينَ المكانَ لتنفيذِ النّشاطِ، وذلكَ فتحَ الفُرصَ للطبّاخينَ اللاجئينَ بعرضِ مهاراتِهم في أكبرِ المطاعمِ في مدريد. ومِنْ ثمّ تمكّن الفريقُ مِنْ إستئجارِ مكانٍ أشبهَ بمطبخٍ مَعَ صالةٍ لاستقبالِ المَدعُويَنَ، مُشتركٌ مَعَ أشخاصٍ آخرينَ.

الآمال والطموحات

كانَ لانتشارِ فيروس كورونا أثرٌ كبيرٌ على جميعِ الأنشطةِ والأعمالِ في جميعِ أنحاءِ العالمِ، وخاصّةً تلكَ المُتعلّقةِ بالتّواصلِ المباشرِ والطّعامِ، تقولُ مَلَك بأنّ فيروس كورونا بالطّبع أوقفَ الأنشطةَ الجماعيّةَ، لكنَ الإيمانَ بالفكرةِ جعلَهُم يستمرونُ، وذلكَ مِنْ خلالِ تنفيذِ تدريباتٍ عبرَ الانترنت، على طريقةِ طهوِ بعضِ الوجباتِ.

هناكَ العديدُ من الأعمالِ والإنجازاتِ لدى جمعية Chefugee، حيثُ لديهِ أكثُر منْ خمسينَ نشاطاً تمّ تنفيذُها معَ أكثرِ مِنْ 30 طبّاخاً لاجئاً منْ جنسياتٍ متنوعةٍ، من سوريا وفلسطين والسودان والمغرب والكاميرون وفنزويلا وأوكرانيا وكولومبيا. تقولُ: “نفذّنَا بعضَ النّشاطاتِ خارجَ مدريد أيضاً، في برشلونة، ويتواصلُ معنا الكثيرُ منْ أقليم الباسك، لتنفيذِ نشاطاتٍ”.

الصورة لملاك أثناء إجراء المقابلة في أحد مقاهي مدريد قرب ساحة أوبرا في مدريد .
©محمد شباط

يَعمُل فريق Chefugee أيضاً على إصدارِ كتابٍ تفاعليٍّ حولَ فنُّ الطّبخِ، لكنّه سيكونُ مختلفاً عن أيّ كتبٍ أُخرى، حيثُ سيعتمدُ أسلوباً تفاعلياً، عنْ طريقِ رموزٍ يتمُّ فتحُها عبرَ تطبيقٍ يوصلُ لفيديوهاتٍ، يتمّ مشاهدتُها.

“أجملُ شيءٍ في العمل هو أنّكَ تتعلمُ فيهِ بشكلٍ مُستمرٍ. لقد أصبحَ عائلتي الثّانية، الجوّ العامّ فيهِ عائليّ بيننا وبينَ الطبّاخينَ، وبينَ جميعِ أفرادِ العملِ”، وفقَ تعبيِر مَلَاك زنْجي. الطّموحُ لديهَا ولدى رفاقَها لا يتوقفُ، تقولُ: “نطمحُ افتتاحَ مدرسةً للطّبخِ، خاصّةً باللاجئينَ، كلّ لاجئٍ يمتلكُ هذه المُوهبةِ نقومُ بتنميتها، نظريّاً وعمليّاً، وتدريبيّاً، أيّ تمكينُهُ حتّى يصلَ إلى العملِ”.

ترفضُ مَلَك أنْ تُسمّي عملها التّطوّعي نجاحاً، وما دام هنَاك لاجئينَ في ظروفٍ صعبةٍ، فليسَ هُنَاك نجاحٌ، تقولُ: “العملُ التّطوعيّ هو تنفُسٌ بالنسبةِ لي، هو جزءٌ من حياتيّ، كيفَ أكونُ قادراً على التغيّيرِ ولا أفعلُ؟”.


En español

زر الذهاب إلى الأعلى