الرئيسيةتقاريرحقوق

حَبس حرّيّة واستبعاد على أساس الجنسيّة في مراكز احتجاز الأجانب (CÍEs)

تعمل الحكومة الإسبانية على إظهار نفسها كالمُدافع عن حدود القارة الأوروبية، لذلك تحتجز المهاجرين من الجنسيتين المغربية والجزائرية في مراكز احتجاز الأجانب (CÍEs)، لسهولة ترحيلهم إلى بلدانهم، ولوجود اتفاقيات بين إسبانيا وتلك الدول.

وصل الشاب ياسين مفيد (21 عاماً) إلى جزر الكناري الإسبانية من المغرب عابراً البحر، وقد نجا من الغرق برفقة أكثر من 20 آخرين كانوا على متن ذات القارب، وقد انتهى به الأمر نزيلاً في أحد مراكز احتجاز الأجانب (CÍE  de Hoya Fría) في تينيريفي، بعد وصوله بقرابة أربعة أشهر، وذلك فقط بسبب أصله المغربي. الأشخاص ذو الجنسية المغربية والجزائرية الذين مثل ياسين يُجسّدون أعلى نسبة من الأجانب المُحتجزين في هذه المراكز، حيث يتم حرمانهم من حرّيّتهم، لمدّة أقصاها 60 يوماً، من أجل تسهيل طردهم، لسهولة ترحيلهم بسبب قرب بلدانهم، ولتُظهر السلطات الإسبانية نفسها بمظهر المُدافع عن حدود القارّة الأوروبية، وتطبيقاً لاتفاقيات دبلوماسية بينها وبين المغرب.

ثُلثا المُحتجزين من بلدين فقط

لفتت منظمة الخدمة اليسوعية للمهاجرين (SJM-E) في إحدى تقاريرها الانتباه إلى التمييز وفقاً للأصل، وكشفت عن أرقام الاعتقال تبعاً للجنسية، حيث غالبية المُحنجزين من المغاربة والجزائريين. وقالت في تقريرها: هناك شيء يلفت الأنظار، ويستند هذا إلى حقيقة أن جنسيتين تمثلان ثلثي جميع الأشخاص الخاضعين للاحتجاز، لقد تم استخدام الاعتقال بشكل أساسي كأداة لسياسات “مراقبة الحدود”.

وجاء في التقرير بأنّ المعتقلين جاءوا من 90 دولة مختلفة (وفقاً للجنسيات المُعلن عنها)، لكن فقط الأرقام تبرز من دولتين: المغرب 2،801 (35.66 ٪) والجزائر بـ 2.511 (31.99 ٪)، بينما لا تصل نسبة كلّ دولة من الدول الـ 84 المتبقية إلى 2٪. كما أشار التقرير إلى أن هذا التركيز غير العادي للأشخاص المحتجزين من دولتين فقط ظاهرة مقلقة للغاية، وبأنّه أمراً يتطلّب فحصاً أكثر دقة: في المقام الأول، مراقبة أرقام الاعتقال وفقاً للأسباب التي تمّ الترخيص من أجلها بشكل عام وحسب بلد الجنسية المعلنة؛ ثانياً، مقارنة الأرقام الخاصة بالاعتقال بدافع إجراءات العودة.

فيما هناك كثيرٌ من الشهادات للعديد من المنظمات غير الحكومية والوسائل الإعلامية، التي تؤكد بأنّ الأشخاص الذين يقبعون في هذه المراكز في وضع غير نظامي، تكون أوضاعهم سيئة جداً، وهناك مواقف عنصرية من قبل الشرطة ضدهم. هناك عنصرية فيما يخصّ اللغة خصوصاً مع أولئك الذين من أصل عربي، لأنّ الشرطة بالطبع لا تتكلم اللغة العربية، ولا يوجد مترجمين داخل المراكز، ويقتصر تواجد المُترجمين عند إجراء مقابلات أو عند رؤية الطبيب وما شابه، كذلك الشرطة تنادي النزلاء بأرقامهم، وباللغة الإسبانية، حيث الكثير لا يفهمونها، ويحدث نتيجة ذلك الكثير من المشاكل، تصل إلى حدّ الاعتداءات الجسدية.

أحد هؤلاء الضحايا ياسين مفيد الشاب المغربي، الذي عثرت عليه الشرطة في الميناء، يحاول مغادرة جزر الكناري باتجاه إقليم إسباني آخر، عند طلب أوراقه الثبوتية، وجدوه يمتلك بطاقته المغربية، فقاموا على الفور باقتياده مكبل الأيدي في سيارة، ليبقى فقط ٧٢ ساعة في مقر الشرطة، ثمّ ليُعرض على القاضي، ليجد نفسه مباشرة، داخل مراكز احتجاز الأجانب في حالة رهيبة من اليأس، بانتظار ترحيله إلى المغرب، برفقة خمسة آخرين من ذات البلد.

يقول: “كنا نسأل عناصر الشرطة بلغتنا الإسبانية الضعيفة، لماذا نحن هنا؟ كانوا يرفضون الإجابة، ويطلبون منّا بعصبية شديدة العودة إلى الغرف، كانوا يتعاملون معنا بعنصرية، وصادروا جوالاتنا، حيث هم يصادرون جميع الهواتف حتى لا يتمكن أحد من التقاط الصور أو التواصل عبر الإنترنت”.

اتفاقيات بين دول ضحاياها هم المهاجرون

إن تفعيل العمل بآلية إرجاع المهاجرين إلى بلدانهم، لا يكفي فقط إرادة البلد المُستقبل بالإعادة، بل هناك ما يُسمّى بـ “المشروطية الإيجابية”، أي أنّ إسبانيا ستُقدّم المزيد من الأموال لتلك البلدان التي تتعاون مع اتفاقيات قبول الإعادة، والتي تشارك أيضاً في مكافحة الهجرة غير النظامية، باتفاقات اقتصادية غير شفافة وشكاوى مستمرة من انتهاكات من الحقوق في آلية مراقبة الحدود التي تقوم بها هذه البلدان.

الباحث والأكاديمي كريستيان أورجاز، الأستاذ في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، كلية علم الاجتماع، يشرح في حديثه لمجلة بيننا، بأنّه كان لإسبانيا دائماً روابط مباشرة مع المغرب، كان هذا هو الحال لسنوات عديدة، لكن عندما توسعت منطقة شنغن، ودخلت إسبانيا الاتحاد الأوروبي، أدى ذلك إلى تغيير في علاقات إسبانيا مع المغرب، من بين هذه التغييرات شيء حدث في غالبية دول الاتحاد الأوروبي مع الدول المجاورة له أو دول أخرى، وهو إخضاع الدبلوماسية لاتفاقيات، بهدف التعاون في السيطرة على الهجرة. لعب المغرب وتركيا دورًا فيها، واحدة من هذه الاتفاقيات اتفاقية الترحيل إلى المغرب، والتي تعود إلى السنوات الأولى من التسعينيات.

يوضح أيضاً بأنّ الاتفاقية تنص ليس فقط على قبول جميع المواطنين المغاربة، بل قبول الذين يتم طردهم من إسبانيا إلى المغرب عبر مراكز احتجاز الأجانب CÍEs، ممن هم من بلدان ثالثة بالقارة الأفريقية. يقول الباحث والأكاديمي: “بالتالي فإنّ ما نراه هو أنّ سياسة الهجرة الأوروبية، قد استعانت بالسيطرة على بلدان ثالثة، لتقوم بأعمال قذرة مقابل المال، بدون أن يكون هناك أي احترام لحقوق الإنسان”.

إذا كان الترحيل يتم خلال ٧٢ ساعة، فما الغرض من وجود مراكز CIEs!؟

“هناك لوائح تُنظّم عمل مراكز احتجاز الأجانب لكن الوضع القانوني لها في موضع انتقادات شديدة، وهناك العديد من القرارات التي تعلن عدم دستورية هذه المراكز” وفقاً لما أكدته المحامية من أصل مغربي، والمُختصّة بشؤون الهجرة “فاطمة الفاضل” في حديثها لمجلة بيننا، التي تشرح أيضاً بأنّ الواقع في هذه المراكز مختلف تمامًا، والحقيقة هي أنه في الممارسة العملية لا يتم احترام الحقوق الأولية، مثل الحق في الصحة أو التعليم.

فيما يتعلق بالخروج من مراكز CIEs، فقد تم مؤخراً ترحيل 1248 شخصًا، والإفراج عن 1039 آخرين، وغادر 369 في ظروف أخرى، وفقاً لتقرير  SJM والتي أكدت أيضاً بأنّه “بشكل أساسي يتم ترحيل المهاجرين في أول 72 ساعة بعد احتجازهم”، وتساءلت الشبكة “إذن لماذا يتم احتجاز الكثير من الأشخاص في CIE إذا تم ترحيل الغالبية العظمى من العائدين قبل الاحتجاز في هذه المراكز؟ 

مظاهرة نسائية في 8 مارس 2021 بالقرب من مركز الواتش في مدريد، تحت شعار “CIEs سجون الهجرة”© محمد شباط

هذا ما أشار إليه أيضاً الباحث والأكاديمي أورجاز في حديثه مع بيننا، حيث قال: “إنّ غالبية المغاربة، يتم طردهم دون المرور بمركز الاحتجاز CIEs، في غضون 72 ساعة حرفيًا، حيث لا يوجد وقت لإخطار محامي، ولا لتوديع الأسرة”، يوضح، كذلك بأنّ هناك جزءاً كبيراً جداً من المحتجزين في المراكز من المغاربة، والذين تم تحديد هويتهم أو توقيفهم في مداهمة للشرطة، وبشكل عنصري هم مغاربة.

عجز تام ويأس يُفضي إلى الانتحار أحياناً

كشفت المحامية الفاضل لمجلة بيننا عن شهادات لموكليها – مع تحفظها عن ذكر الأسماء – توضح حالة العجز التامّ والمُطلق لدى النزلاء في مراكز  احتجاز الأجانب CÍES، حيث يوجد نقص بالمترجمين، والنظام الغذائي سيء، كذلك يُحرم النزيل من التواصل مع أفراد أسرته. يقضي بعضهم ما يصل إلى 60 يوماً، في انتظار تذكرة طائرة تعيدهم إلى بلدهم الأصلي، وهناك حالات تُفضّل العودة، لكي تخرج من السجن الذي فرضته مراكز الاحتجاز.

هذه الحالة التي يمرّ بها النزلاء هي التي أفضت في ١٥ يوليو ٢٠١٩ بالمغربي مروان أبو عبيدة البالغ من العمر 23 عامًا إلى شنق نفسه، أثناء تواجده – حسب الرواية الحكومية – في الحبس الانفرادي في مركز CIE في فالنسيا، وقبلها بالجزائري محمد بودربالة (٣٢ عاماً) الذي قتل نفسه أيضاً، بعد عزله من قبل الشرطة دون إشراف على حالته ودون طعام أو شراب لمدة ١٨ ساعة في مركز أرشيدونا في ملقة، وكُثر غيرهم.

ياسين مفيد الموجود حالياً في جزر الكناري، والذي التقته بيننا عبر الهاتف، أكد بأن حالة اليأس التي مرّ بها أثناء احتجازه في مراكز احتجاز الأجانب CIE كانت كبيرة جدًا، “كان اليوم يمرُّ قاسياً، كنا نخرج للشمس مرتين في اليوم، وبقية اليوم داخل السجن، بدون جوال بدون تلفاز بدون أي شيء، كنت خائفًا جداً من يتم إعادتي إلى المغرب”

كان لياسين مفيد حظاً جيداً، بسبب إغلاق المغرب حدودها مع إسبانيا جراء وباء كوفيد-١٩، حين كان في مراكز الاحتجاز، حيث تم الإفراج عنه بعد ٥٣ يوماً من الحبس، ونجح أخيراً بالحديث مع عائلته في المغرب، وأخبرهم أن هاتفه كان معطلاً، لأنه لا يريد أن يبلغهم أنّه كان مُحتجزاً في إسبانيا، وفي الأحوال السيئة التي مرّ بها أثناء احتجازه. هذه الظروف التي عانى منها آلاف المهاجرين مثل ياسين، هي – بحسب المحامية الفاضل – “سوء معاملة لا داعي لها على الإطلاق”.

En español

زر الذهاب إلى الأعلى